يا قطاعَ الأعمال: الطموحُ.. سلاحًا! (2-2)

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية


بعد أن استعرضنا معنى الطموح في المقال السابق وصلنا إلى أن قطاع الأعمال يحتاج أن يفعَل الطموحَ الجماعي لأن مهمة العمل ستكون هنا أكبر، ولأن التحدي لم يعد مجرد موجة ساحلية صغيرة، ولكنها موجة ماردة من البحار البعيدة ولها قوة الاكتساح الجماعي.. وأن أهداف الطموح الجمعي تحقيق الفائدة والمصلحة لكل القطاع، فينعكس تلقائيا على كل الوطن.. ثم تساءلنا، كيف تكون آلية هذا الطموح الجماعي؟ كيف تـُرص الصفوف؟ ومن أين نبدأ؟ إنه التفكير الموازي للتفكير الرسمي.

والتفكير الموازي هو أن تكون هناك استراتيجية وسعة من الخطط الموسومة بالأهداف، والمعلمة بركائز القياس أثناء التطبيق والتنفيذ، والتي تضعها قطعة قطعة كجدار من الفسيفساء عقول القطاع العملي.ولن يكون الطريق سهل التطبيق، ولكنه سيكون مفتوحا سهلا للتفكير..

أما العائق، فهو التفكير الرسمي الذي لن يترك للتفكير الموازي العملي فرصة مطلقة للتطبيق.. وهذا شأن لا نعترض عليه، في أن يكون القرار من الحكومة، ولكن الذي نود أن نلتفت إليه في هذا الوطن هو حرية عاجلة قاطعة.. أن يفكر القطاع في مصلحته ويضع خطته الخادمة لمصلحته، ثم تقدم للرعاية الأبوية التي هي الحكومة لتصل إلى أمرين مهمين، الأول: أن تعرف بدقة معلومات عن كل المصالح الخاصة، فلا يعقل، ولا يجب أن يقول الرسميون إنهم يعرفون كل شيء عن أي شيء، وأن تعرف الشعور النفسي الذي يكتنف صالح المصلحة ليخدم مصلحته إنتاجا وتنمية وتطويرا، والعامل النفسي ينساه بعض الرسميين ويعتقدون بخرافية وجوده (لأن بنظرهم أن رجال الأعمال هم أنفسٌ نحتت من رخام الجبال.. تبعا للنظرية الخاطئة حول شيلوكية طبائع رجال الأعمال، بينما تثبت كثير من الأحداث أن رجال الأعمال المنتجين هم الأكبر قلبا ووعيا معا، ولن أعطيك هنا الأمثلة لأن حصرها يقلل من طبيعة ذيوعها، والتفت إلى أي مجتمع وتلمس ما يفعله هؤلاء الناس إنسانيا).. العامل النفسي وبمشهد عالمي دامغ هو الذي يحرك بورصات الدنيا! إن قطاع الأعمال أول المتحسسين لأي عامل نفسي، وهم الأكثر قابلية أمامه للانكسار، أكثر من تأثيره على أرق الناس عاطفة.. ولكن القوانين تتالى كالمطارق ( حتى لو كانت صالحة.. من زاوية الرؤية الجدلية) وبدون مراعاة لعنصر مهم يحافظ على ركن سوقي أهم.

والأمر الثاني، هو أن أصحاب المصلحة في تقديمهم الحلول يسهمون في إثارة الدماغ الرسمي الواضع للحلول، ليس أن يتبناه بالتمام، ولا بالطبع أن يعارضه بالتمام، ولكن ليكون قاعدة انطلاق للحل الرسمي العام الذي يجب أن يراعي المصلحة الخاصة ضمن إطار المصلحة العامة.. وهذا هو عين عمل الحكومات. على أن هذا لا يلتفت إليه المسئولون، لأن العامل النفساني هو الذي حكم السوق الآن، وتخاذلت المواجهة، وصارت النتيجة هي الهرب بالمال جغرافيا أو نوعيا للعقار والأسهم.. والنتيجة ضياع عشرات آلاف الفرص، وتروس تجمدت من الإنتاج الوطني الذي كانت ستشغل سعوديين رغم أنف كل الظروف، ولو أحضرنا حتى جوج مأجوج للعمل عندنا. الذي يغيب عن الساحة هو أقوى سلاح في تركيبة نفس أي رجل أعمال: الطموح! الطموح بأن يزيد عمله الخدمي والصناعي وتنوعه التجاري، أن يبني في بلده فيرتاح جيبه، ويكون قد ارتاح شيء أهم من كل ذلك، وهو ضميره في أن النماء صار على ترابه لا تراب غيره.

من ينكر ذلك؟ إذن، نعود ونقول إن الغرف التجارية بما أنها الجسد المعنوي لقطاع الأعمال يجب أن تعمل على محور الطموح، الطموح بأن تقف ضمن مخططيها وحكمائها، وخبرائها من رجال الأعمال، في العمل الجاد بتقديم خطة موازية للخطة الرسمية، والطموح بأن تصر على نقاشها مع هيئة البلاد العليا، والطموح بأن الخطة تكون أقوى وأنفع وأعم وأثرى من الخطة الرسمية الراهنة من حيث أول مبرر يستند إليه الرسميون، وهو حل أكيد للبطالة. لا، رجال الأعمال لن يقولون سنمحو البطالة، بل هم بعقلياتهم الطموحة سيقولون لك سنصنع أجيالا منتجة، فالقضاء على البطالة كهدف أوحد.. ليس إنتاجيا على الإطلاق.

حقا، إن الدعوة الآن لمواطنة عملية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، قبل أن يكون التنازل والهرب والتخندق وشق الصف الاجتماعي هو المشهد البارز. وخطة المواطنة العملية التي ستكون تحت مظلات الغرف التجارية ستصوَّب نحو خطة طويلة وواضحة، وقابلة للرؤية والاقتناع من أول لحظاتها.

سنضع الطموح العملي على مقعد القيادة في محصلة التفكير في قطاع الأعمال، ونرجو أن يعمل على تجهيزه وإعداده للنفع العام القائم على الطموحات العملية.. وعندما نقدم خطة تخدمنا ونثبت أولا أنها تخدم البلاد.. فمن يملك أن يعترضها؟ لإكمال واجباتنا كمواطنين محبين عمليين آن أن نعود ونفكر.. ونؤمن أن في النهاية لا يصح إلا الصحيح.. ولكن لا يكفي أن ننتظر حتى يتحقق ذلك، حتى الصحيح إن جاء متأخرا فسيكون قد تساقط في الطريق كثير من صحته!