يا قطاعَ الأعمال: الطموحُ.. سلاحًا! (1-2)

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
وسبق أن أعلنا أن قطاعَ الأعمال برمته يواجه تحدياً من كل الجهات، بل إن هذا القطاعَ الأهمُّ في البلاد، هو الأضعف أيضا من كل الجهات. أول ضعفه وهْمُ قوته، فبينما يُصوَّر للناس من قبل مسؤولين ومن قبل كتاب يكررون ما لا يدركون مدى تقويضهم لأرسخ بناء يحمل أركان البلاد، بأنه قطاع قوي ومتغطرس. والحقيقة عكس ذلك.. تماما.
 
قطاع الأعمال، أكثر القطاعات القابلة للكسر، تتحكم في أعضائه (تماما) قرارات من موظفين بدون أن يستطيعوا رفض حرف واحد من أي نظام يسنونه.. ولما صار من قلة حيلتهم، الهرب لملاجئ يلتجئون إليها، لم يُتركوا لحالهم ( ولم تقم لهم حفلات التوديع كما بُشروا) وإنما ألهبتهم السياط. في مكان ما، يقرر موظفٌ مصيرَ شركات أفنت زمانا أطول من عمره في ميدان لم يخضه، ولم يشعر به .. والنتيجة هي التي تحصل الآن.. تهرب الأموالُ خارج البلاد، فلا يستفيد وظيفيا سعودي واحد، وتهرب إلى قطاعات غير منتجة وتتضخم كالفقاعة الجوفاء ولا ينتفع وظيفيا سعودي واحد. سؤال: ما الأفضل، بأبسط صور المنطق، أن يهرب مليون من الممكن أن يشغل سعوديا أو ثلاثة حتى لو وظف 20 عاملا أجنبيا، مع انتفاع اقتصاد البلاد بتوظيف مباشر وغير مباشر، أم أن يهرب الجملُ بكل ما حمل، وما كان سيحمل في مستقبل الأيام؟ لن أنتظر إجابة. من يجيب بإجابة ليست التي أعرفها فلست بحاجة إليها.. ولا أحد كذلك!
 
وهذا القطاعُ صارت تأتيه الرياحُ العاتية وحيدا مكشوفا من جهات الجغرافيا الأربع من كل القارات ولا يعاني إلا لوحده، وعليه أن يصمد، شاء أم أبى، أمام وضع لم يختره، ولم يشارك في الإعداد والاستعداد له.. من تدعو له والدته، الآن وصاعدا، يصبح موظفا حكوميا.. ليتحكم أكثر من أن يخدم.
 
الذي يجعلنا نقف مذهولين أن الخسارة واضحة، والحل واضح.. ولكنها المكابرة، والتجني، والتهزىء، ولوي الذراع.. وحتى الرمي بالتخوين. نحن لا نقول إن رجال الأعمال ملائكة، بل أقول أكثر.. لو كانوا ملائكة لما كان هناك قطاع للأعمال! صدقوني في البلاد التي تتقدم لو تصوروا أن رجال الأعمال شياطين لتعاملوا معهم.. لأنهم يأتون لمصالحهم فيخدمون الأرض التي يحلون بها رغما عنهم. منطق لو فهمناه لما عُمل بهم كل الذي يُعمل بهم الآن.. إن وجدت رجل أعمال – ورجال الأعمال المنتجين العاملين هم من نقصد- راض على ما يصير الآن، فأرجو أن تمزق ما تقرأ حالا.. وإن لم يكن، فإن التنغيصَ على رجال الأعمال هو الواقع المعاش.. فمن يلوم النتائج!
 
ولكن هل سيقف رجال الأعمال سلبيين؟ هل سيرحلون دائما إلى أرض غريبة ( مع طبيعية هذا الأمر)؟ هل سيجعلون أموالهم تلعب بالظل وهم بالظل أيضا، فلا يضعونها إلا في العقار أو الأسهم؟ هذا مضر جدا، ليس لهم كرجال أعمال فقط، ولكنه مضر لهم كرجال وطن.. فإن الدعوة هنا التشبث بالوطن بأقصى الطرق الممكنة، ولو وضع لهم صانعو الأنظمة، الناءون بعيدا عن أي مجازفة، المذبحَ لمصائرهم.. بسبب بسيط ويدركه رجال الأعمال مثل غيرهم إن لم يكونوا أكثر منهم.. وهو أن الوطن أكبر من أي ربح مادي، أو أن أي ربح عملي خارج الوطن يبقى عائدا ماديا، ولكن يترك في القلب غصة وفي النفس انكسارا وحزنا.. إني أدعو التشبث بأهم عنصر يميز رجال الأعمال عن غيرهم .. وهو الطموح.
 
إن المطبوع على الأعمال يكون من صغره تأكله رغبة حارقة وهي الطموح ( وانظر إلى المقابلة التي أجريت مع الدكتور الطويل مدير عام معهد الإدارة السابق بهذه الجريدة، وهو يقول إن طالبا زميلا لهم كان يطبع الملازمَ ويبيعها لهم.. هذا الطالب صار فيما بعد من أكبر رجال الأعمال في كل العالم العربي.. أترى؟ أنه الطموح الآكل الذي ميزه عن زملاه.. والفرق بين الطمع والطموح هو الذي يميز رجل الأعمال الناجح عن الطفيلي النـَهـِم) .. وكان الطموح الفردي في السابق لرجال الأعمال مؤديا للغرض في مناخ سهل وإجراء ميسر.. ولكن هذا النوع من الطموح لا بد أن ينتهي من الآن ليواجه قطاع الأعمال رياح التعرية التي تحلل صخوره إلى غبار. إن العقلَ العمليَّ لا يتجه للمعارك والحرب والمواجهات العنيفة، لأن هذا يخلق بيئة تخنق الأعمال ( وقد تصلح بظروف ضيقة للطفيلي المتقلب النهم) لذا لا أرى سلاحا أمضى من أقوى عتاد في ترسانة القطاع العملي، وهو الطموح.. ولكن أن يتوسع أفق الطموح جدا لينتهي أن يكون فرديا فينتقل لصفة الاتحاد الجماعي.
 
أن يخرج الطموح من الالتفاف على العمود الفردي، إلى الانتشار جماعيا في الساحة الكبرى. يحتاج قطاع الأعمال أن يفعَل الطموحَ الجماعي لأن مهمة العمل ستكون هنا أكبر، ولأن التحدي لم يعد مجرد موجة ساحلية صغيرة، ولكنها موجة ماردة من البحار البعيدة ولها قوة الاكتساح الجماعي.. لذا فإن أهداف الطموح الجمعي هي تحقيق الفائدة والمصلحة لكل القطاع.. الذي سينعكس تلقائيا على كل الوطن. كيف تكون آلية هذا الطموح الجماعي؟ كيف تـُرص الصفوف؟ ومن أين يبدأ؟ ذلكم سيكون موضوعي لمقالة الإثنين المقبل.