المعينون..

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية


" عيني.. ثم دعني!"

.. كان نيوتن كما تقول الحكاية المشوبة بالأسطورة تحت شجرة تفاح، عندما وقعت عليه تفاحة من الشجرة.. منذ ذلك اليوم تغير العالم إلى الأبد. جلس آلاف من الناس عبر الأزمان تحت آلاف أشجار التفاح، وتساقطت عليهم ثمارُ التفاح ولم يتغير شيء. لذا نقول إن نيوتن كان له عقل يعمل ويلاحظ ويستنتج. والباقون كانوا أيضا بعقول، ولكنها لسبب، أو لألف سبب، لم تعتن بأن تفكر لما سقطت التفاحة إلا بأكلها.. أو قضمها ثم رميها. شجر التفاح أو أي شجر، لا تنبت على سطح الأرض ثم تورق، وتزهر، وتثمر، من تلقائها، لابد لها من باذرٍ، ومن ساقٍ ومن حارثٍ ومن معتنٍ، إلى أن تلمع كالنجوم الثمارُ على الأغصان.. هذا المزارعُ الذي يرى الثمارَ، يرى في كل ثمرة عرقـَه وجهدَه وصبرَه وتضحياته فتكون كل ثمرة تساوي ثروة، ثروة العرق والجد. والثمر في النهاية معروض للقطف من الزارع، ومن السائر بجانب سور الحقل.. كلاهما يقطف، وكلاهما يتلذذ بالأكل.. إلا أن الفرق هو ماسبق كل ذلك.

يأخذ عابرُ السبيلِ التفاحَ بغير جهد صرفه، وبلا معاناة كابدها.. أخذها جاهزة. لذا فهو لا يرجع للشجرة مرة أخرى ولا تهمه الشجرة بأي حال، كما تهم كل ورقة فيها المزارعُ الذي زرع ثم جنى. وهذا مثال أضعه أمام الإخوة المعينين في المجالس البلدية، وبصراحة يعلمونها هم ويعلمها الناس أجمعون. فهم قطفوا التفاحة َجاهزةً، بل أكثر من ذلك، فإن التفاحة سقطت في أحضانهم. فلقد جاءتهم هذه المناصب المهمة بلا جهد ولا معاناة ولا حرق للمال والأعصاب ومجالدة الأيام يوما بعد يوم. بينما المنتخَبون هم تماما مثل زارع شجرة التفاح الذي أخذها بكل ذلك الجهد والمكابدة والصبر، والانتظار على صفيح ملتهب من الترقب.. أقول لك، إن كل من خاض معركة الانتخاب.. شيء من أعصابه قد فلت، والذي فلت لن يعود. ولكن..

.. إن المزارعَ وهو يرى التفاحة يكون في سعادة لا يعرف سر لذتها إلا من يعيش لحظاتها، لأن الثمرة المتوهجة على الغصن هي من كدِّ يديه، وهذه السعادة لا تتأتى لعابر السبيل الذي أخذ التفاحة من الغصن ومضى. والعضوُ الفائز بالانتخاب كانت لذته لا تقاس، وجاءت تعويضا عادلا خالصا بعد معاناة خالصة.. لذا، نعتقد أن المنتخَب لن يجعل أيامه بعد ذاك تضيع هدرا، فعليه واجب تجاه هذه السعادة والحب.. في أن يرعاها، وفي أن يرعى مصالح هؤلاء الناس الذين أوصلوه فقط من أجله، ثقة به، وتصديقا لمنهجه ووعوده.. ولن يخذل هذا التوقع التلقائي إلا من فسدت طويته، وهذا أمر آخر يخرج عن المبادئ القويمة.

نعود لإخواننا المعينين، فهل يعني هذا أنهم وصلوا لأهدافهم بعد أن منحوا المنصب كما تمنح الجوائز؟.. لا أظن ولا يجب.صحيح أنهم حصلوا على المنصب بردا وسلاما، ولكن الواعي منهم، وهذا ما نحسبه فيهم، سيعرف أن البردَ والسلامَ سينتهي بمجرد ترشيحه، وعليه أن يخوض معركة أكثر حرارة ليثبت أنه ليس فقط عابر سبيل، أو أنه طال رفعة بغير ثمن.. وهذه مشقة أكثر من مشقة ما يحتاج أن يثبته المنتخَبون، الذين تملأهم الثقة أنهم وصلوا بالعدل والقسطاط.. ضمن حلبة منافسة ضارية، خرج منها الأجدر ، فهو يصل إلى كرسيه بلا عُقـَد..

المعين عليه عبئان، عبء أن يثبت أن الحكومة عينته، وبالتالي ليس سهلا أن تخذل ترشيحا حكوميا، وإلا زرعت الشوكة في خاصرة آلية الترشيح الرسمي.وعليه عبء آخر أمام جماهير الناس،لأن الناس لا يعرفون مؤهلاتهم، ولا يعرفون الخبرات والتجارب التي اعتمدتها الحكومة في اختيارهم، كانوا ملفات محفوظة في المكاتب الرسمية وما زالوا إلى يوم التعيين، بينما المنتخَبون يعرف الناسُ حتى عناوين منازلهم، وعاداتهم اليومية، لأنهم كانوا ملفا عاما مفتوحا أمام الواقع الحقيقي وأمام الناس.. لذا سيكون هناك مهمازٌ قوي يدق في ضمير المعينين ليثبتوا للناس أن التفاحة لم تسقط في أحضانهم، وأنهم أيضا كانوا يزرعون ربما في مكان آخر وبعيدا عن العيون. ولذا فهم أحق بأن يعاد اعتبارهم بأنهم مستحقون للمنصب كما أن المرشح مستحق للمنصب، إلا لأن لكل منهما طريقا من النصَب والجهد، ولكن طريقان مختلفان. طريق تضربه الشمس، وطريق يغطيه التفاف الأشجار.

يأتي المنتخب ببرنامج واضح، أخذ كل وقته في إعداده، وثبت قبوله للناس، وعليه فقط الآن أن ينفذ هذا البرنامج الذي بسطه أمام الناس، ولن ينساه الناس. أما المعين فيأتي خاليا من البرامج المعدة والمناقشة مع أكثر من جهة طويلا، يأتي وذخيرته عقله وتجربته وخبراته، وسيكون سلاحه الذي يجب أن يصل به الى استحقاق المنتخَب، هو التحدي، التحدي في الإنجاز.

وقد تلعب النشوة ببعض المعينين، وهي نزعة بشرية ليست نادرة الحصول، فيظنون أنهم من الفئة المختارة، ومن الصفوة المقربة، فيجيئون موحين أنهم مدعومون من الحكومة مما يعطيهم مددا أوفر، وقوة أمضى، وبالتالي يعرضهم لجهد أقل، وقد يضيِّعُ وقتـَه ووقتـَنا بملاحقة المناسبات، والتعرض للأضواء، والمشاركة في كل تجمع في أي ركن لتراه الحكومة. وهنا سيخطئ الخطأ الكبير، لأن الحكومة وضعته وهي تقول لنا كلنا إنها تريد أن تحقق جوهرا مهما، وهو تطعيم المجالس البلدية بالخبرة المضمونة والتنوع في الخبرات المناسب، حتى يكتمل عنفوان المجالس.. أي إخلال بذلك إخلال بوعد الحكومة..

على المعين ألا يعمل لإرضاء الحكومة فقط فيغضبها، وعلى المنتخب ألا يعمل لإرضاء الحكومة أملا في أن يتحقق له التعيين في المستقبل ليتجنب مغبة المنافسة الصعبة، فيغضب الحكومة ويغضب الناس.

وإني واثق بأن كل معين وكل منتخَب على وعي ٍشامل ٍبأنهم يصنعون تاريخاً، لأنهم في أول مجلس من نوعه تاريخيا. وكما أن المجالس البلدية كانت مفصلا تاريخيا، فسيكونون هم أول من ستلقى عليهم المهمة الدقيقة الصعبة بأن يثبتوا أن ذلك كان أيضا نقلة تاريخية.

المهم، أن نأكل كلنا .. التفاح!