رحلتك.. خضراء!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية


تحذير وإعتاق من أي مسؤولية: هذه القصة يحذر الكاتب فيها أن أي تشابه في الاسم أو في الشركة أو في اللون، أوفي اسم المطار أو المكان، إنما هو مصادفة محضة..

يتفقد السيد هشام حقائبه أمام مطار القاهرة الدولي، ويتحسس موضع التذكرة في جيب سترته الداخلي، ويطل بحرص وإمعان على الوثيقة الخضراء في جيبه ثم يدفع عربته إلى داخل مبنى المطار.

بعد اجتياز عدة عقبات معقولة ومتوقعة، يصل إلى كاونتر خطوط الطيران الخضراء.. يأخذ المسار المخصص لكاونتر الدرجة الأولى ويعد نفسه برحلة هانئة إلى الرياض. يصل السيد هشام إلى الموظف الذي هز كتفيه له، بعد أن لاحظ السيد هشام أن هذه الكتف اهتزت مرتين أمام المسافرَيْن الذين قبله..

الموظف: التذكرة وجواز السفر من فضلك.

هشام (مبتسما باشا): تفضل!

الموظف يصمت لدهر صغير أمام شاشة الكمبيوتر، والسيد هشام يتابع عينيه لعله يتصيد أي شيء من تعبير العيون.. بلا جدوى.

الموظف: تفضل يا سيد هشام، وأنا آسف أن أقول لك إنه لظروف الرحلة فقد تم تحويل الطائرة كلها إلى الدرجة السياحية.. (وأثناء ذلك كان يعزز إفادته بهز الكتفين العتيدتين) السيد هشام محاولا أن يصون هيئته المهذبة: ولكن هذا لا يجوز، لو كنت أريد السياحية لما أنفقت مبلغا أكبر للدرجة الأولى، يجب أن تعلم أن الراحة تُشترى بالنقود.

الموظف: هذه ليست "غلطتي!" إنها تعليمات الشركة، وأرجو ألا تـُسمعني كلماتٍ أنا بغنى عنها يا سيدي، ولكني عوضتك بأقصى ما أستطيع..

- يعني؟

- لقد وضعتك في المقعد الأول، وحرصت أن يكون المقعد الذي بجوارك غير مشغول. أرجو أن تتفهم وضعي يا أستاذ.

- إني أتفهم وضعك يا أستاذ، ولكني لا أتفهم وضع الأساتذة الذين يلعبون وراء الستار. هيا ناولني تذكرتي ودعني أمضي في حالي.. يناول الموظف السيد هشام الأوراق، يبتعد هشام، ثم يلتف ويعود فجأة بسرعة متذكرا شيئا مهما (نوعا ما، قياسا للخدمة التي سيتلقاها!)

- يا أستاذ، لقد نسيت أن تعطيني بطاقة قاعة الدرجة الأولى، أو أن هذه أيضا حولوها سياحية؟!!

يضحك الموظف باستظراف مصطنع، ويدس رأسه ويخرج بطاقة دخول القاعة.

يدسها السيد هشام وراء بطاقة الإركاب المضروبة للوراء، ويمضي لإنهاء إجراءات الجوازات..

ولأن القصة ستخرج فيما بعد مطولا، فإن شرح بيئة قاعة الانتظار سيتم القفز فوقها في هذه المقالة الكبسولة، ويمكنكم متابعة ذلك في قصة ستتحول فيلماً بعنوان: "من قال أن التذكرة تعني شيئا؟"

.. نعود إلى القصة المضغوطة: السيد هشام يستقل الطائرة، ويسير في الممر الطويل الضيق جريا (تقريبا!) نحو المقعدين الفارغين في الصف الأول، وأقنع نفسه أن سعر مقعدين في السياحية من ناحية مالية ليست قسمة ظالمة جدا.. ولكن هل قلنا فارغين؟ لنرَ! يصعق السيد هشام وهو يرى رجلا يسيلُ جسمُه متمكنا في المقعد المخصص له والذي رقمه يشرق يسد العين على قسيمة إركابه.. وليكون المشهد أكثر إثارة وتشويقا، فإن الكرسي "الفارغ" الموعود كانت تجلس فيه بأمان وهناء زوجة الرجل..

السيد هشام متقدما للرجل السائل على المقعد: أظن أن هناك خطأ. هذه المقعد مخصص لي، وهذا رقم المقعد مدون هنا على القسيمة.

الرجل السائل: لا تكلمني أنا هناك مسؤول في الطائرة..

يرتبك هشام ويطير شيء حاد إلى قمة رأسه فالتا من حزمة أعصابه، غير أنه يضبط نفسه بضغط هائل، ويستدعي من مكانه أحد المضيفين.

السيد هشام: هذا مقعدي والرجل لا يريد حتى أن يرد علي.

المضيف متصنعا الانشغال وبدون أن يركز مع السيد هشام: هي كده. الطائرة "فري سيتينج".. أي واحد يأخذ الكرسي اللي يبغاه.

- ولكن هي ليست قضية "اللي يبغاه"، لو كانت طريقة الجلوس الحر هي المعتمدة، فلم لم ينبهنا موظف الكاونتر، ولماذا يوضع في الأساس رقم المقعد على القسيمة، ثم أن الذي يجعلني أتعجب غاية العجب، لماذا لا يجلس الناس في كراسيهم المخصصة لهم مادام أن هناك أرقاما؟! ما الذي يدعو للفوضى؟! هل أنتم تشترون الفوضى لكم وعليكم قبل أن تكون للركاب؟!!

- والله هذا ليس شغلي، ناقش من أعطاك البطاقة.. لا تضيع وقتك ووقتنا خذ أي كرسي واجلس عليه.. هشام وهو يكاد أن ينفجر غيظا، يحاول أن ينزع فتيل الانفجار داخله، ويتوجه إلى أقرب مقعد ويسيل عليه.. وبينما هشام يحاول أن يسيل متساويا، ويأخذ وضعه السائل المريح ما أمكن.. إذا برجل ينتصب أمام رأسه ومعه زوجته، ويقول له هذا الكرسي والذي بجانبك لنا، وانظر هنا رقمي الكرسين على قسيمة الإركاب..

هشام بعد أن صار خبيرا في "الفري سيتينج"- لا تكلمني هناك مسؤول في الطائرة.. يستدعي الرجل مضيفا آخراً ويخبره أن هذا الرجل (السيد هشام) يسيل على مقعده حسب البطاقة.

يتقدم المضيف إلى السيد هشام،ويقول له: - أرني بطاقة ركوبك؟ السيد هشام.. تحوَّلُّ عيناه ويزداد سيولة على الكرسي، ويصبح مادة لزجة لا تنقشع.. وهكذا صار حال كل ركاب الرحلة.

أغرب ما في القصة، وسأعذرك جدا لو لم تصدقني، ولكني عندي الوثائق والشهود الذين يشهدون على المعلومة الغريبة اللامنطقية، أن طائرة الخطوط الجوية الخضراء بعد الطيران وصلت إلى مطار الرياض، حطـَّت في المطار الصحيح!!