سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. مكالمة هاتفية:
- أنت فلان؟ لقد اطلعتُ على مقالك "بين الإيمان والإنسانية" (مقال كتب ونـُشر بالإنجليزية) ولقد قوبل بامتعاضٍ كبيرٍ في كنيستنا، هل يمكن أن نلتقي؟
وكان المكان فندق "ريتز" في البحرين..
وصلت متأخرا خمس دقائق إلى بهو الفندق، ولم أخطئ التعرف على الرجل الذي هاتفني وهو بياقته الكهنوتية. كان رجلا ثقيلَ الهيكل، وبكتفين عريضتين تحملان جمجمة كبيرة بشعرٍ كثٍّ مرسل ببياض الغيوم. من بشرته الخلاسية وملامحه تصورت أنه من أبناء شبه القارة الهندية.. تقدمتُ له وتعارفنا، ومدّ يدا كبيرة غليظة من حديد، وضغط بقوةٍ وحرارة، وتعجبتُ لقسوةِ لحمِه، وجبروتِ كفِّه، ضحك وقال إنه كان مصارعا محترفا لسنوات.. من اللهجة، ومهنة المصارعة، شطبتُ انتماءه الهندي في التوِّ واللحظة، ونقلته إلى جزر الهادي مثل "ساموا" أو "فيجي".. وكان حدَسي الأول مضبوطا فهو من "ساموا"، وعاش في أمريكا، وامتهن المصارعة، ثم جاءه "النداءُ القدسي" من أعلى كما أشار لي بسبابته العملاقة.. وتفرغ لخدمة الرب.
وجدتُ أن القسَّ "هنريت" مصر على أن يوضح لي موضوعا خاطئا ومشوشا وقعتُ فيه، "وفي مكان صغير وناس محدودين كل شيء يُقرأ، وكل شيء يكبر ثم تدور الإشاعات والشكوك".. وقال إني كتبت أن "الأم تيريزا" التي كرست حياتها لأعمال الخير في الهند، ونالت جائزة نوبل للسلام، لم تكن مؤمنة، وإني قلت إنها "ملحدة" Atheist، وإن كلامي يخلو من الدقة، ثم أن لا فائدة لي من نشره، فهو لا يود أن يشك أني أستغل خبرا مثل ذاك للطعن في الإيمان المسيحي، خصوصا أن أتباع كنيسته يتنامون.
وكلام "القس هنريت"، لا يخلو من الصحة، وإن كان يفتقد الدقة، وهذا ما وضحته له تماما. فقد كنت قد كتبتُ فعلا ليس ذاك المقال فقط، بل حتى هنا في "مقتطفات الجمعة" - استنادا إلى تقريرٍ ظهر في "التايم الأمريكية" – أن السيدة الأكثر احتراما في العالم المسيحي، والمحسنة التي طبقت شهرتها الحميدة الآفاق، كانت مزعزعة الإيمان، بل إنها كتبت لأحد أصدقائها الذين تتراسل معهم، والأم تيريزا كانت مغرمة بكتابة الرسائل جدا، وبالحرف الواحد: "لم أعد أشعر بوجود الله في قلبي" ولم يكن هذا الشك لحظةٍ عابرة، أو خاطرا شيطانيا، بل كان معاناة 50 سنة من الشك. 50 عاما والسيدة "تيريزا" تبحث عن الإيمان، ولا تجده، أو لا تجده بما يملأ روحها. وهنا اختلافي مع القس "هنريت"، وهو كما أعتقد يعرف حساسية النقطة فيتهمني أني وصمتها بالإلحاد.
وأنا أرى العكس تماما، فكلي يقينٌ أن هناك قلوبا مؤمنة، ومصدقة رسوخا بالوجود الإلهي، ومنها الأم تيريزا، ولكونها مسيحية انخرطت من شدة إيمانها، وكي تتقرب لله أكثر في العمل الديني، فالدافع إذن إيمانٌ عميقٌ كالفيضان الكاسح، ولكن القضية ليست قضية إيمان، كل القضية هي: الرحلة للإيمان. من يمشي على درب الإيمان، كمن يمشي يريد محطة يستريح فيها، وهذا المسافرُ يبحث عن المحطة الملائمة لراحته وإرواء عطشه وسد جوعه، ثم وهو يسير في الطريق يلاقي محطة تلو محطة، فلا تعجبه، ويمضي بحثا عن محطة تعطيه تلك القناعة القصوى كي يرتاح من السفر وأوصابه. وهذا ما حدث تماما لصديقي "بيل كارول"، الذي كان قلبه عامرا بالإيمان، وبإيمان بوجود الله يملأ كيانه، فهو سار في طريق الإيمان وتنقل من محطات المسيحية كلها إلى البوذية، ثم الطاوية، ولكنه لم يروِ عطشا، ولم يملأ روحا متلهفة لمرافئ الإيمان.. حتى وصل محطة بعينها، وفحصها، ودرسها، واقتنع فيها تماما ثم بقي بها، وكانت تلك المحطة.. محطة الإسلام، وهو ما زال يعيش معنا من سنوات مضيئا منيرا مسلما متمسكا وغير اسمه إلى "يوسف أحمد" حتى في جواز سفره الأمريكي. هل يمكن أن نقول إن السيد "يوسف أحمد" وهو يبحث متشككا وفاحصا في المحطات التي صادفها في طريقه كان آنذاك ملحداً؟ ما أراه هو على النقيض، فقد كان كتلة ملتهبة من الإيمان.
وشرحتُ للقس عن "الأخت فاطمة" المسيحية التي أسلمت لمجرد أن أعطيناها كتبا كتبها أجانبٌ غير مسلمين عن الإسلام، ثم نقاشات لم تكن طويلة ولا شاقة.. وأجابني: "إن كنت تريد أن تقنعني بشيءٍ ما، فأنت تروِّجُ الإسلامَ للشخص الخطأ". قلت له إني لا أروج للإسلام، ولست مؤهلا لذلك، ولكن الإسلام يحمل بذرة تلقائية تنتقل من أرض إلى أرض وتزرع شجرتها.. وتابعتُ مؤكدا له: "ولكن أيها القس هنريت، أنت لست الإنسان الخطأ الذي تُروَّج له مسألة دينية على الإطلاق.. بل أنت الإنسان الصحيح!" ونظر لي بحاجبيه الغابيـتـين متسائلا، وأنا أتابع: "ألست أيضا تريد من أعماقك مثل كل بشري أن يجد المحطة التي يرتاح إليها في نهاية الطريق.. أن يملأ الأيمانُ قلبه؟!"
.. ولما انتهت المقابلةُ حرصتُ أن أبتعدَ عن يدِهِ الحديدية!