سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
*ملخص ما سبق: "مختارامي" امرأة باكستانية، تم اغتصابها جماعيا من رجال جفاة من قبيلة ماستوي في قرية "ميروالا" النائية الباكستانية، استردادا لشرف القبيلة من اتهام أخيها شاكر بالتحرش ببنت القبيلة سلمى. سلمى تبلغ الرابعة والعشرين ومشهورة بتصيدها للفتيان في القرية، وشاكر هزيل، طفلٌ لم يتم الثانية عشرة (!).. ثبت أنه لم يقابل سلمى أصلا، ولكنه ضُرب واغتـُصب.. أيضا.
كانت مختارا مي قد عزمت على الانتحار، وهذا ما يجب أن تفعله أي بنت تتعرض لهذا القصاص العرفي القبلي البدائي، تطهيرا لشرف عائلتها وإقفالا لملف العار.. إلا أن مي حافظة القرآن غيبا ( رغم أنها أمية تماما) قررت شيئا آخر، قرارٌ يعانق حدودَ الإلهام. قررت "مختارة مي بنت غلام فريد جار" ألا تنتحر، بل أن تعيش، قررت أن تنتقم من الرجال الذين اغتصبوها.. قررت أن تحيا كي تراهم يفقدون مبررات الحياة.. لم تفكر إلا في الانتقام، ولكنه انتقام منظم، فكرت أولا باستئجار من يقتلهم، ثم هداها تفكيرها أن تلجأ للقضاء.
في هذه الأثناء الملا عبد الرزاق الذي صحا ضميره أعلن أن ما صار "لمختارا مي" ضد الدين، في خطبة الجمعة في القرية، واحتجّ علنا على اغتصاب "مختارا" وبهذه الوحشية. صدفة كان بين الجموع صحافي يعمل في إحدى الجرائد الباكستانية. في الغد صحت الأمة الباكستانية على الخبر المريع، فاهتزت باكستان، واهتز العالم، وصارت الفلاحة الأمية البسيطة "مختارا مي" الأمية .. حديث العالم.
فازت مختارا بالقضية، وأعدم الرجال الذين اعتدوا عليها، وسجلت نصرا مبينا لقضية المرأة الباكستانية، وكان كثير من النساء على وشك الانتحار، ولكن الذي حدث كان من ملاحم الدراما، تقاطرت مئات النساء إلى القرية النائية للبقاء مع مختارا، التي أخذت تعويضا ماليا من جراء اغتصابها، وأقامت به مدرسة تعلم بنات قريتها حقوقهن الشرعية والإنسانية وتعلمهن القراءة والكتابة ، يجب أن تعلم يا قارئي أن أكثر من 80 في المائة من فلاحات وريفيات باكستان لم يمسكن كتابا ولا قلما في حياتهن..مختارا غيرت كل شيء.
كتبت مختارا لكل من تصل إليه في العالم الإسلامي، لأن مدرستها أفلست وشارفت على الإقفال، ولم يستجب أحد، إلا كاتبة فرنسية وصل لها خبر مختارا، تنقلت على أربع رحلات متتابعة، ثم على ظهر البغال، ثم مشيا على مهابط الوديان كي تصل لمختارا.. كاتبة ناشطة في حقوق المرأة اسمها "ماري تيريز"، التي عاشت معها ثم كتبت عنها كتابا بالفرنسية، ثم ترجمته بنت إنجليزية وعنوان الكتاب" باسم الشرف In the name of honor " وهو الذي أخذت منه هذه الحكاية العبرة. كتبت ماري في جريدة فرنسية عن مختارا وأخبرت قراءها عن حاجة البنت الباكستانية إلى المال، فتبرع القراء، بل إن قراء من أمريكا اطلعوا على المقال، أمطروها بتبرعات وصلت حدود الـ 700 ألف يورو.. وعادت "ماري" لمختارا مي بالحصيلة، ومدرسة مختارا مي الآن من أفضل مدارس باكستان. ولما اشتهرت عالميا وصار يستقلها الرؤساء في أوربا وأمريكا، انزعجت حكومة مشرّف، وهددتها واتهمتها بأنها تشوه صورة باكستان، بل إن جنرالا باكستانيا شهيرا لحقها لنيويورك وهددها بأنه سيستأجر "رجلا أسود بحفنة فلوس ليغتالها إن لم ترعو".. ثم قامت حكومة باكستان بخطوة خلت من الحكمة حين تدخلت في الأمم المتحدة من إنفاذ خطاب لمختارا، وكان الخطاب سيمر كما يمر أي خطاب في المبنى الأممي دون ملاحظة من العموم، ولكن منـْعهُ صارا نارا إعلامية اشتعلت في كل صحف أمريكا وأوروبا، فقدمت الحكومةُ الباكستانيةُ، عكس ما كانت تريد، الشهرةَ العالمية لمختارا على طبق التعنت والسلطة وضيق الرؤية.
نتعلم من قصة مختارا أن الأعراف والتقاليد لا يجب أن تعتبر في القضاء في الأحوال الشخصية وإلا فهي الفوضى العارمة، ولا يمكن أن تتصل بالدين حين تكون خرقاء ضد المنطق والعقل وهناء البشر. إطلاق الأعراف طافية على سجيتها يقود المجتمع إلى جهالاتٍ عمياء، وهذا.. حصل. ونتعلم أن الغرب أكثر منا إنسانية وتعاطفا – للأسف الشديد - بينما هي الصفات الرئيسية للمسلمين كما في ديننا، فحين لم يهتم العالمُ الإسلامي بموضوع مختارا مي، تأتي بنت فرنسية لبلد خطير متزمت، مضحية ربما بمصيرها وحياتها من أجل عاطفة إنسانية، ثم يتلهف الغرب في أكبر مقاماته للبنت البسيطة الأمية وكأنها من قادة الدنيا.. علينا أن نسأل: كيف أن الغرب أكثر إنسانية؟ ويجب ألا نضرب الأخماس في الأسداس لتشمم رائحة المؤامرة وراء ذلك، فلو كان في أهل الأمة محرّض خيرٍ لما تركوها للغرب. نتعلم كيف أن الدولة يجب ألا تعلق مشاجب اللوم في تشويه صورتها، بل يجب إن أرادت أن تجمل صورتها ليس بالتلفيق الإعلامي، ولكن بالتجميل الحقيقي في الداخل، فيجب ألا نغير المرآة إن لم تعجبنا تقاسيمَ وجوهِنا، بل وجوهنا هي التي يجب أن نغيّّر. نتعلم أن قراراتٍ متزلفة تؤدي تماما إلى عكس ما يُراد لها، أن التحذلق حول مشرف في العمل نحو وأد خطاب مختارا في الأمم، أشهر موضوعا كان مقدرا أن ينتهي اليوم وينتهي الخبر معه.. غياب للمنطق والرشاد.
.. ودروسٌ أخرى أنتم أحسن مني في إدراكها.