البطلة مختارا مي: أتونُ الغضبِ.. ومعجزةُ الإنجاز ( 1 من 2)

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

*العام 2002، قرية ميروالا، الباكستان:

.. صوتُ كلبٍ يصر على النباح يشق صمتَ الليل، وبعض مأمأة الماعز ينقلها الهواءُ المشبعُ برطوبة النهر، وشبحُ "مختارا مي" امرأة في نهاية العشرينيات من عمرها تجر رجليها تخوض في التربة الطينية في الظلام وسط حقول قصب السكر، وشوالٌ أخضرٌ داكنٌ على رأسِها ينحسر عنه بفعل الهواء، فتطير خصلاتٌ شعر أسود لامع مبللة، ولكن لا مطر.. التي بللت خصلات الشعر الزائغة مساكبُ الدموع من المرأة الشابة التي تـُقاد كالنعجةِ إلى مذبحها.. وخلفها ثلاثة أشباح بشرية، أبوها الكهل غلام فريد مطأطئ الرأس متهدم الكيان يسحب رجليه ككيسين من الرصاص، والثاني عم البنت حجي ألطاف، والثالث غلام نبي صديق العائلة ووسيط في القضية.. آه، نعم ما القضية؟

القضية أن في القرية مثل معظم قرى الباكستان التي ما زال بها ساطع الحضور التفرقة القبلية والمكانية والأثنية، يعيش نوعان من الناس، ناس من عصبة (قبيلة) ماستوي وهم في القرية العنصرُ الأسمى وكأنهم نزلوا مخلـَّصين من السماء، ويتعاملون وكأنهم يملكون الأرضَ ومن يمشي على الأرض من العصب المستضعفة من أهل القرية، وأكثرهم من عنصر "الجوجار" الذين يعتبرون أقل جودة بشرية من الماستوي.. ويسمح أعضاء عصبة الماتسوي لأنفسهم أن يمروا في القرية كإعصار متوحش يسلبون بيوت الفلاحين، ويسرقون ماشيتهم، ويغتصبون حرائرهم.. والسلطة لا تحرك ساكنا، بل أفظع، إنها تأتمر بأمر عبد الخالق زعيم عصبة الماستوي. ثم صار شيءٌ غامض، لم تعرف حقيقته، ولكنه أمرٌ مريع وعصيبٌ غيّر حياة القرية، وبالخصوص حياة مختارا مي، إلى الأبد..

عصبة من رجال الماستوي الأشداء يتعرضون لشقيق مختارا مي الأصغر، ويوسعونه ضربا بقبضاتهم، وعصيهم، ثم يركلونه في خاصرته حتى يطفش الدم من فمه وأنفه.. بعد أن تناوبوا على اغتصابه، ثم سلموه للشرطة.. والسلطة قبضت عليه مدعية أنها تحمي حياته، لأن الماستوي اتهموه بأنه تكلم بالباطل مع بنت من عصبتهم اسمها "سلمى"، مع أن سلمى عرفت بين أهل القرية بأنها امرأة لعوب تتصيد الشباب الوسيمين في القرية.. ولكن هل وقف الماستوي عند ذلك؟ إنهم يريدون أن يزهقوا روح الأخ.. ولكن عليهم أن يتقاضوا إلى لجنة القضاء في القرية عن طريق الملا المحترم عبد الرزاق.. بعد مداولات وتداخلات من الوسطاء والملا، رضي عبد الخالق وعصبته أن يتنازلوا عن دم الأخ الأصغر. ولكن بشرط..

وهذا الشرط اسمه "رد الشرف". ويتطلب رد الشرف أن تقدم فتاة من أسرة الشاب المسجون ويتناوب على اغتصابها عدة رجال يحددهم شيخ اللجنة علنا.. عرف، من الأعراف الخبيثة التي بشكل ما ترتبط بالدين وممثلي الدين.. الجهل في أقصاه.. بعد أن تلا آية القصاص - أستغفر الله العظيم - أعلن شيخ اللجنة عن تنفيذ الحكم الليلة.. وهي الليلة هذه التي تسير فيها مختارا مي إلى حيث تهدر إنسانيتها بوحشية، وكانت تحمل القرآن وتضغط به على صدرها كي يحميها.. وهي أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة ولكنها تحفظ القرآن بالسماع عن ظهر قلب، وتقوم بتدريسه لنساء القرية تطوعا، بعد أن تطلـّقت شابة، ولم تخرج من بيت أبيها الصغير أبدا، ولم تقابل رجلا غريبا أبدا، وكانت تظن أن حياتها ستسير على هذا الرتابة حتى تتسند الموت.. ولكن، قضى الله أمرا.. وحدث. أما لماذا اختارها والدها وبقية إخوتها دونا عن بقية بنات الأسرة فلأنها كما قال والدها: "أنت في الثامنة والعشرين، وثيب مطلقة، و... تحفظين القرآن!".

تقول مختارا مي:" أنا "مختارة مي بنت غلام فريد جار" وأول نسله، انفصل إحساسي ووعيي عني، وأنا أٌنتـَهـَكُ مرة وراء أخرى، ولكني لن أنسى ما حييت وجوه تلك الحيوانات التي قطعت لحمي وعرضي، فالمرأة بالنسبة لهم ببساطة ملكية مثل الماشية، تعبر عن الشرف والانتقام والمتعة والاحتقار والتهميش يتزوجونها أو يغتصبونها كما تتطلبه أعراف فخرهم القبلي".

لن أنسى أن أقول لكم أن شقيق مختارا لم يبلغ الثانية عشرة، وتحلف مختارا مي أنه لا يستطيع أن يتصل مع النساء، بينما سلمى لعوب طروب في الرابعة والعشرين.. الأدهى، لم يصح الاتهام أبدا! من يصدق أن يُغتصب طفلٌ وأخته من أجل شيء لم يفعلانه، وتقر بذلك الأعراف.

في قرى الباكستان لا تنته القصة هنا، مختارا مي بعد أن تم سفح شرفها مرارا وتكرارا طيلة الليل فوق أرض مذبوحة سلفا في إسطبل عميق الرائحة، طردت فجرا أمام الناس شبه عارية، لتكون إعلانا حيا لعارها ولشرف الرجال الذين تناوبوا على سفك كيانها وعفتها.. ورمى عليها أبوها شاله المتسخ دهرا، وحمل عاره ومضى.

والقصة أيضا لا تنتهي هنا، فهناك قرارٌ آخر يجب أن تأخذه بنت الأسرة التي تم بها تنفيذ قرار رد الشرف.. يبقى عليها دورٌ صغيرٌ جدا، وتنظف فيه كل الملف الملطخ بالعار، وتطهِّر الجميع، وتُنهي المعاناة، وكأنها مجرد قشة مرت على القرية في يوم ريح ثم مضت واختفت..

على البنت إتماما لرد الشرف للجميع وأولهم أسرتها أن .. تنتحر.

وعزمت مختارا مي بنت غلام فريد جار على الانتحار..

أنتظركم الإثنين القادم للقصة، والعِبَر من وراء القصة.