سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. "أرى أن كل من قام أفتى، وإني أود أن تنبه على أن الدين لا يجب التفكر به كل مرة، وإعادة تقليبه على فهمنا وحاجتنا، ويجب أن نضع كل أعيننا على الآية الكريمة (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) لماذا لا تنتهز هذا العمود المهم لتنوير الناس خصوصا ورمضان على الأبواب. ولك الشكر".
أخوك: أحمد عيد الشبرمي
الأخ العزيز أحمد:
.. أرجو منك، ومن أي مطلع على هذا المقال أن يأخذ رأيي هنا كرأيٍ شخصي لا يدعي العلمَ الشرعي، ولا يملكُ أن يقول إن رأيَه لا يقارب الخطأ، ولكن أرجو أن تتملى به بعقلٍ محايدٍ، مستخدماً منطق المنهاج الإسلامي الذي قرأناه وعرفناه، ونقله لنا وعلـّمهُ العلماءُ الدارسون. كما أني أذهبُ متمادياً، وأطلب من كل من يقرأ هذا العمودَ من أي جنس أو فئةٍ عمريةٍ أن يتأمل جيدا، ويستخدم شواحذه الذهنية، وأدواتـَه العقلية، وملكته التأملية، فديننا ليس دين القيِّمين، ولا يقتصر على طبقةٍ دون طبقات، كما أن التفكـّرَ والتفكير فيه ليس محبوساً في نهرٍ علويٍّ وقدسيٍّ لا يصل إليه إلا الخالصون المنعتقون والمنتقون، إنما حوضٌ مفتوح، بحرٌ يرمي نفسَهُ به كل من يعرف أصولَ العوم.. وهنا المثال، فكما أنك لا ترمي نفسك في لـُجّة المياهِ وأنت عديم المهارة بالسباحة، فلا يجب أن تخوض أو حتى تلمس قدمُك ساحلَ التفسير الشرعي بلا مهاراته، وتستنتج الأحكام.. وبالجهة المقابلة لا يطلب منا الإسلام أن نخوض عباب يمـِّهِ كالسباحين المحترفين، إنما المهم ألا نغرق، ولا نـُغرق معنا من يقفز وراءنا.
ولا أطلب منك يا أخ أحمد، أو من أي أحدٍ الموافقة المباشرة، كما لا أودُّ لك ولهم الرفضَ المباشر، كل ما أطلبه أن نتأمل فيما يقال لنا لعل به منفعة، ونطور معطياتنا التبادلية للأفكار والرأي وهذا هو شعاع الحضارة، وقبله.. شعاعُ الدين. إن التأملَ والتفكيرَ بحد ذاتيهما فضيلتان من أسمى الفضائل.
إن مجالَ الاجتهاد في التشريع مجالٌ واسعٌ وكبير، لأن ما لم تتناوله النصوصُ كثير بالقياس إلى ما تناولته. وليس ذلك، كما نظن، تعريضاً للشريعةِ لا سمح الله ولا هو سوء تناولٍ لقول الله تعالى "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء"، بل هو كما نعتقد آية الحكمة، ودليل الاكتمال في شرع الذي خلق الإنسانَ ويعلمُ ما توسوس به نفسُه، والذي يعلم – وله المثل الأعلى – أن العالم يتطور، وأن أشكال الحياة تتغير، وأن مشكلات الناس تتبدى في قوالب جديدةٍ في كل عصرٍ وفي كل مكانٍ وفي كلِّ ظرف.. لأنه - سبحانه وتعالى - كما أودع ناموسَ الحركة في الكون والمجتمع، أودع نعمة العقل في الرؤوس ليلاقي شرعة الحركة والتغير والتطور بمثلها، وليستجيب للحياة وتطورها وتغيرها في تطويرٍ مقابل للأحكام، لأن محورَ الدين عمودٌ ثابت راسخ وما حوله قابل للتطور، وسرُّ عظمة الإسلام أنه دينٌ يدخل في خيوط شبكة الحياة، ويسيرُ مع تيارها اليومي، ولا يعتزل في عبادةٍ لاهوتيةٍ منفصلةٍ عن رتمها وإيقاعها. وتِـلكُم آلية ٌمهمة ٌ، فيما نراه، لحماية الشريعة وتحقيق مقاصدها الدينية، وليس النقيض.
من حق بعض الناس ألا يهضموا أن الأرضَ تدور، وليس من حقهم أن ينكروا هذه على مَن أمكنه الله من رؤيتها، و"ليس من لم يرَ حجة ًعلى من رأى".. ولا للجاهل حجة على العالم. والذين يرفضون أن ينظروا إلى أبعد من مواقع وقوفهم، ويتصورون أن من حقهم أن يضربوا بين المسلمين وبين سائر الدنيا بسور من غير بوابة، أو يتخيلون أن المسلمينَ يستطيعون أن يقيموا مجتمعاتهم على نماذج المجتمعات التي كانت من مئات السنين, وأن يستغنوا عن الاجتهاد، فإنهم يطلبون في غير مطلب، ويخوضون في ضحل، ويضربون إلى غير هدف. إن الحياة َلا تتوقف، ولن تتوقف، فمن لم يمشِ معها، ولكن ببضاعته المكينة من الدين والعقيدة، فلن يأبه أحدٌ له. والركبُ الإنساني يتحرك للأمام، الحركة التي أودعها الله في ناموسنا الدنيوي.
إنما المسلم الحق، فيما نراه، من تعلق قلبُهُ في الله، وارتبط عملهُ بشرع الله، ثم هو بعد ذلك يمسك في زمام الحياة، يتحرك بها، وتتحرك به. المسلم ُالعالم هو من يزكي بعلمِهِ وجُهدِهِ واجتهادِهِ أصولَ الخير التي بذر الإسلامُ بذرتها الأولى لتنمو شجرة مباركة، وتتلون وتتعدد أزهارها، وليرتفع من أصلها الثابت فرعها في السماء.
الإسلامُ شجرة ٌمباركةٌ، وهي تعطي الثمرَ والزهرَ.. والشجرة ثابتةٌ، وعروقـُها ضاربة في قلبِ الأرض. والثمارُ والأزهارُ متغيرة ومتجددة، وتـُقطف وتسقط ثم تنمو من جديد.. هل هذا يغير الشجرة؟ أو يمس أصلها أو جذرها الممتد؟
.. يا لضيق الحياة أن نعيشَ بلا زهرٍ ولا ثمر!