سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
"جريدة الإندبندنت الأسبوعية"، واحدة من أمتع الصحف وأكثرها فائدة، بمواضيعها وبحوثها واستطلاعاتها، وتكاد تكون بلغةٍ صحافية قالبيةٍ موحدة، وبحجم صغير جدا لتكون سهلة الحمل والطي والقراءة العملية.. وانشرحتُ وأنا أقرأ عدد 31 آب (أغسطس) (انشرحتُ للحقيقةِ والوقت والظرف.. وإلا فإن الموضوع َحارقُ الحزن).
والموضوعُ من تركيا، وفي سدّة الحكم الآن رئيسٌ من صلب حزبٍ إسلامي، ولو نـُشرَ هذا الموضوعُ الذي سأحدثكم عنه نقلا عن "الإندبندنت" البريطانية بعد مدة من الهيمنة الحزبية الإسلامية في تركيا لربما قيل: "أنظروا هذا ما نحصده من الإسلام.."، ولكن الممارسة الشنيعة التي أنا في صددها تحدث في تركيا، وتفاقمت في السنوات الأخيرة رغم وجود حكم علماني استمر أكثر من ثمانية عقود.. بل الأكثر علمانية في كل العالم الإسلامي، حتى صارت العلمانية الكمالية عند أجيال الترك، وبصرامة التطبيق الرسمي عقيدة بحد ذاتها. هل نورت العلمانية الأتاتوركية تركيا؟ سنرى. واستنتاجا من تقرير الإندبندنت وليس استنتاجا هوائيا مني.
التقرير من ضاحيةٍ أناضولية اسمها "باتمان"، وفي هذه الضاحية التي يصل سكانها إلى ربع مليون نسمة، اختفى عن ظهر الأرض في العام الماضي أكثر من ثلاثمائة صبية في أول إطلالات العمر. والاختفاءُ هنا هو الموت. "نوران" بنتٌ تتمتع بحب كل جيرانها وزميلاتها، وضاءة وفياضة بالطاقة والابتسامة لا تفارق شفتيها الفتيتين، لم تعرف الحياة إلا من سبعة عشر عاما، صحوا يوما وإذا هي تسبح في دماها.. والسبب كما ذاع في الضاحية أنها انتحرت. فيصمت الجميع، ويرفع أهلها رؤوسهم في السماء زهوا أمام كل من في الضاحية لأنهم أزالوا وصمة سوداء كادت تلطخ سمعتهم.. إنها ما يُعرف بجرائم الشرف.
ولأول مرة تخرج الفتيات من المدارس ويفضن عبر شوارع وميادين "باتمان" بمظاهرةٍ صاخبة، وهن بكامل زيهن الشرعي ويهتفن:" أوقفوا التعدي علينا".. وهنا أستنتج شيئا لم تقله "الإندبندنت"، عن طريق تساؤل عفوي ويخطر للذهن بارقا:" لم هذه أول مرة تخرج الفتيات بهذه المظاهرة التي وصفتها الإندبندنت بأنها عمل بطولي؟".. وبما أن "الإندبندنت" لم تطرح تساؤلا، أطرحه أنا أمامكم على شكل جواب أود أن أوفق في إثباته، وهو أن الفتيات تجرأن لأول مرة لأن الحكمَ الآن صار يقيمُ للشرع الإسلامي وزنا وتفهما. نعم.
قلتُ لو خرج هذا التقرير بعد فترة من الزمن من استواء الحزب الإسلامي في تركيا على كرسي الرئاسة لربما وجدت كثيرين يقولون انظروا ما نجنيه من الإسلام، هذا هو حصاده: العنفُ والجهلُ والدموية وغيابُ القلب والروح والعاطفة. لذا قلت لكم إني انشرحت أن تقريرا مريعا مثل هذا يخرج الآن قبل أن يبدأ الحكم المتشح حزبيا، وليس دستوريا، بالإسلام في ممارسة مهامه. وبما أن قتل الفتيات ممارسة شائعة في الأناضول من أجل غسل الشرف بالدم منذ عقود، فهذا دليل على أن العلمانية لم تطور عقول هؤلاء الناس.. وإن لم تفعل، فبالله ما الفائدة منها إذن؟! أليست العلمانية لتحرر الناس من التعصب الديني، والإيمان بالدولة والمجتمع حرا طليقا من أي ضغوط سماوية؟ إذن، ألم يكن الأفضل وجودُ دين ٍمع جهل ٍأفضل من كفرٍ مع جهل؟ والدين الإسلامي له عدوٌ أكبر وهو الجهل.. لذا لما ساد الجهلُ أساء للمسلمين.. أما الإسلام فيبقى دينا نقيا محفوظا في دستوره الخالد وفي سنته القائمة.
غسل الشرف بالدم ممارسة عرفية، وليست دينية، ولم تنجح علمانية أتاتورك في إزالة الجهل فاستمرت العادة، ومن يعتقد أن لهذا صلة بالإسلام فهو إما جاهلٌ مسكين، وإما متجنٍّ أثيم. فأحد الآباءِ خرج من الحانة سكرانا مترنحا قبل أن ينحر ابنته لأنه قيل له إنها تبادلت النظر مع شاب في الطريق.. تصور. رجلٌ سكير لم يُقم الصلاة يوما ولم يتعرف على حرف من القرآن، حسب إفادة الشرطة، هل يحسب أنه قام بعمل أملاه عليه الضمير الديني؟ إنه الجهل قاتله الله، والجهلُ عدو الدين.. وحتى عندنا، هناك من قام بأعمال جاهلة ومريعة باسم الدين، والدين منها براء.
السوق الأوروبية شددت على الأتراك في مسألة ذبح البنات شرفاً، واستجابت السلطات وسنت أشد العقوبات على من يرتكب الجرم.. ولكن الآباء والأهل اخترعوا طريقة أخرى، رسالة بالهاتف للبنت تقول:" لا تعودي للبيت ولا تخرجي من المدينة، واقتلي نفسك حالا." فتموت البنت رعبا، قبل أن تنهي حياتها بيدها.
هي فرصة الجماعات الإسلامية المتعلمة بتركيا لمقاومة عرفٍ وحشي.. وكي يرى العالمُ الفرق في أعوام قادمة عندما يقضون على هذا الإجرام.. ربما بتقرير آخر من الإندبندنت.. من يدري؟