الحلّ: الحكمة لا التحكـُّم!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية


لعلّ أني جاد كل الجدية فيما بدا لي كحلٍّ لما نعرفه في مشاكل الإدارة في التحكم عن طريق الإلزام والضبط والمراقبة. وترى أن الهيئات الرسمية لدينا تتحول إلى كيانات آمرة سمتها الغضب والجفاف، ثم عليك أن تنفذ أهدافها بأي طريقة استطعتَ أم مُت، المهم أنها تتحكم لتضبط وتراقب وتعاقب. فتتحول طاقة العمل إلى المراقبة والضبط من الجهة الآمرة الرسمية، وتتحول طاقة الإنتاج من قبل من يُسلـَّط عليهم الضبط والرقابة إلى الترقب والخوف وتلمس الحِيـَل للهروب أو تدبر الخطط لكي تتدثر بدثار الالتزام ومحاولة تمرير بعد ذلك ما يمكن تمريره من تحت الغطاء بعيدا عن الضبط والرقابة.

أقول لك: هذا مجتمع لن يتقدم لا في مجاله العام، ولا في قطاعاته الخاصة، هذا إن تفاءلت. على كل حال عدم التقدم هو تأخر، لأن العالم لا يعرف أن يقف!

الحل برأيي، هو عدم الحاجة للتحكم، عدم الحاجة لهذا التجهم في الوجه الرسمي، عدم الحاجة في أن كل الناس متهمون حتى يثبت أنهم.. متهمون! هذه البيئة الجافة لن تورث إلا الجفاف، وفي بيئة الجفاف لن تنمو شجرة الإبداع.. وإنما تنبت شجرة لبلابية تمتص كل الغذاء، وتترك السيادة الغذائية لها وحدها! عدم التحكم يعني أولا أن تثق بالناس، وتثق بنواياهم وتثق بقدراتهم فتـُخلق بيئة تشجع الناس أن يشاركوا حقيقيا، وعندما يشاركون فعليا، فأنت لا تحتاج للتحكم. أعط الرسالة والهدف للناس، وبلغهم ما تريد أن تصل إليه واترك الباقي عليهم، فهم سيعرفون كيف يتدبرون، وهم سيعرفون كيف يصلون لأهدافك، وهم سيجدون ذواتهم في الطريق، ثم ستجد كصاحب سلطة رسمية أن الناس صاروا أكثر التصاقا بك وأكثر ولاء، لأنك جعلتهم حقا شركاءك لا منفذين لأوامرك، وجعلت لهم أدمغة نشطة متنورة، وليست نفوسا خانعة، جبانة، تقتنص أي فرصة هرب أو فلات.

ثم إنهم مدفوعون لإثبات النجاح لأنك تركت لهم الفسحة أن يعملوا لكي يحققوه.. لا أن يكونوا عربة محملة بطيئة تريد أن تنهار قبل الوصول، أو لأن الوصول ليس أملها في النهاية. أن تتركهم يفكرون ويحاورون ويسألون ويتساءلون دون وصاية منك أو رياسة أو ادعاء بالمشاركة ساذج وغير مقبول.

فأنت إن أصررت أن تفكر وحدك فإن دماغك محبوس بضيق بدنك، وسعة رغباتك الشخصية، وتعذر كثير من خيارات الرؤية للوصول لعقلك وناظرك.. إنك بالمطلق لن تصل وحدك، وستجد أنك ستجبر الناس كي يصلوا بعدم تفكيرهم، بما لم تصل إليه أنت بتفكيرك.

دائما نقول ونشجع على الأعمال التطوعية، فبينما يقضي المتطوعون الساعات والأيام وربما السنوات وراء مقاصدهم التي يحبون أن ينذروا أنفسهم لعملها وتسجل أنهم لا يملون ولا يشكون، بل هم مستغرقون ولا تستعصي عليهم المشاكل لأن دأبهم في الأساس تسهيل الصعب وحل المشاكل، ثم هم لا يطالبون في المزيد، بينما يواصلون بإعطاء المزيد.

سر التطوع أننا نحب ما نفعله ولم يرغمنا أحد عليه، ولأننا ندرك أهمية عملنا لأننا نعرف أن هذا العمل يحتاج إلينا، ويكاد يتعطل دوننا، فتبرز أهميتنا أمام ذواتنا وهذا أمر مؤثر بالغ.

وترى أن الذي يعمل تحت ضغط التحكم والضبط والمراقبة كثير التثاؤب، يعد ساعات العمل لا ليعمل بل ليهرب من العمل. إن سعادته لمفرطة حقا عندما يدق جرس الخروج فإذا هو خارج للانعتاق.. للحرية. هذا سر ألا يعمل الموظفزن بجد، وهذا هو سر أن يتذمر العاملون في القطاعات الخاصة مادامت تسلب منهم حرية التفكير والإبداع.. إذن في الابتعاد عن ربقة التحكم، وترك مياه الروح المشاركة التي تقود للعمل التطوعي تسري هي الحل في زيادة الإنتاج للموظف، وأن يتمسك التاجر والصانع والمتخصص في مكانه وأرضه ويواصل عمارها إبداعا.. و أؤكد لك ضمن أهدافك الرسمية "ذاتها"! يعني بذكاء وحكمة، بدل أن تسخر الناس لخدمة أهدافك، جعلت الناس يكرسون أنفسهم من أجل أهدافك. الناس ليسوا سربا من العميان، وبالتالي فإن الطاعة العمياء هي صفة لا تجوز على الناس، وإن أرغمتهم فإنهم بعماهم سيضلون، وستكون معهم من أول التائهين.

عليك إذن أن تبحث عن الناس الذين بإرادتهم العاقلة الحرة ينفذون أهدافك لا بالطاعة البليدة بل بالقناعة المستنيرة. لأنهم عرفوا أن أهدافك تستحق العناءَ والعملَ من أجلها. أومن بقوة بأن القائد الحق هو القائد الذي يخدم الناس لا الذي يسخرهم لخدمته. وقائد كهذا بالتأكيد لا يؤمن بالتحكم، أو أنه بطبعه لا يستسيغها.

الناس ليسوا نسخة واحدة، إلا إن أردتهم كذلك، فكلهم إذن نسخ متشابهة ولكن ولا نسخة واحدة أصلية! القائد الحقيقي يؤمن ويعرف ويقبل ويشجع إن للناس طرائق عدة للوصول لهدف واحد، وأن لهم نظراتهم المختلفة، وقيمهم المختلفة، ومشاغلهم واهتماماتهم المختلفة، ومع كل ذلك يصلون بسلام لأنهم كلهم في صورتهم الأصلية. يؤمن القائد بأن هناك عدة طرق صحيحة، وليس بالضرورة طريق واحد صحيح. القيادة ونجاحها أن ترمي عصا التحكم، وترتكن إلى مساند الحكمة.