الرجلُ الوردة.. رحـَلْ

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

قبل أن ترحل يا صديق عمري، وشق روحي، كتبتُ عنك مرتين، ليس فقط لصفتي معك أو لارتباطنا معا، ولكنك تـُقدَّم أمثولة كيف عندما يمتلئ قلبُ إنسان بالإيمان، فإن روحَه تفيضُ بطاقةٍ مشعةٍ تتعدى كيانه وهيكلَ تكوينه، وقدراته العضلية والمادية، فإذا هو نهر جار يسقي كل أرض، يمر بها، ويشرب منها كل ظمآن بمجرد أن يطوف ضفافه.. المرة الأولى قدمتك، كأمثولة الخير، بأعمالك المباشرة في تحويل حياة من مر بك يوما من الفاقة والعوز، إلى الطمأنينة ومرافق الرزق.. كنت نادرا، وأسميتك الرجل الوردة، ليس مني بل لأن يتيما صغيرا في شارع عاصمة عربية انتشلتـَه كما تنتشلُ كل ما يمر طريقك إلى النور، سماك "الرجلُ الوردة".. ويسألني الناسُ عن اسمك، ولا أقول، ولا أنتَ ترضى أن أقول.. بين حزن لا يجاريه إلا اعتصامي بالرحيم الأعلى، والضغط على أعصاب الألم، ومنافض الدموع، تذكرا لأعمالك.. أعمالك كانت بيضاء مثل قلبك، ومثل بسمةٍ آسرةٍ نورانية لم تختف أبدا إشعاعاً، والمرضُ يدور مستعمرا كل خليةٍ في بدن طاهر، ليزيده طهرا.. أكان المرض يطهِّرك، أم كنت تطهّر المرضَ؟.. ارتباط ٌوضع الله به سرَّه المكين.. ورحلت، مثل المؤمنين، بأسرار الرحمة. مات الرجلُ الوردة المهندس عبد الرحمن بن دخيِّل بن عبد الرحمن الدخيـِّل، بعد أن أعده الله - بإذن الله - مغسولا من أدران الدنيا.. وإليك آخر ما كتبت عنك، ذكرى للناس ولي.. بأن الله لما يميتُ عبداً تبقى أعمالُهُ تكبر نتيجة ودعاء وحضورا.. وافتقادا نبيلا:

".. تعجبُ من حال الدنيا.. وتعجبُ الدنيا من حالِنا".

تفرحُ مع شخص يملأ قلبـَك حباً اليوم، وتنصهرُ أعصابك حزناً معه في يوم آخر.. إلا أن القلبَ يبقى مترعا بهذا الحبّ المقيم.

قد تذكرون إني يوما، هنا، قدمتُ لكم رجلاً سميته "الرجل الوردة"، وحدثتكم حينها لماذا سميته بهذا اللقب، وكيف أنه ليس من فاعلي الخير الذين فقط يقدمون للناس مالاً في أياديهم، أو زاداً في مواعينهم، أو لباسا يكسوهم، بل كان يقودهم بأياديهم إلى طرق الخلاص، ومنافذ السعة، وسهول الخير.. ليس غنيا بماله، فهو موظفٌ براتب، ولكنه غني خيـِّر تطفح من كل خليةٍ فيه المحبة العارمة للإنسانية، وما أجمل ما يرى ويتمنى في هذا الوجود هو أن تصان كرامةُ كل إنسان، وعنده هذا الدافع اللازم لمساعدة كل من يطرحه الله في دربه، حتى كنا نسميه مداعبة (وإعجابا منقطعا) "وكيل بن آدم". وما رأيتُ أخير منه وكيلا.

يوم كتبت عنه، تفجر بريدي بالورود، رسائل عنه وتدعو له، وبعضهم أصر على أن أبوح باسمه، ولو كان بيدي لكنت أسعد الناس أن أضع اسمه أمام الجميع كي يقتدوا به، ويتخذوه مثالا.. ويملأ حياتهم من عطره، عطر الورود.

وتعجب من حال الدنيا.. من حال إلى حال. وتعجب كيف تنقلب لك الأشياء فهي تحزنك أو تغضبك، ثم تجد هذا النورَ المريح تنام عليه وسادة تحميك فوق مسالخ الحزن، وانهيارات الغضب.. ما الذي جرى؟

لا أدري كيف أفتح معكم الموضوع، وأنا حزين ويدي ترتجف غضبا.. ولا يشدني ثابتاً إلا هو نفسه، الرجل الوردة. لقد شاءت الإرادةُ الإلهية، أن يُبتلى الرجل الوردة بمرضٍ حاسم (وأنا أكتب هذا الفعل "يبتلى" ثم حادثته عن الموضوع الذي أصر أن يؤخذ بمدعاه الأجدر.. فرجاني أن أغير فعل "ابتلى" بفعل الرحمة، أي رحمَه الله بمرضٍ حاسم).. ولقد جاء المرضُ القاصف سريعا، وقال العلم الطبي إنه تمركز بمواقع في كيانه الرقيق، إلا أن المرض لم يطفئ ملاحة الوجه الأخاذة، ولم يشوش ابتسامته الآسرة التي تفتح أمامك عالما من التفاؤل والجمال.. ولكن المرض يسري، ويتلاعب بتركيب الخلايا. وهنا أطلب منكم راجيا رفع الدعاءَ للمولى بأن يرفع عنه، ويثبته على طمأنينته وإيمانه.. على أنه يريد مني شيئا عاما لنا جميعا، وهنا تعديتُ وعدي له. أعود للشأن العام.. وأريد من الأطباء أن يسمعوني، يسمعوني جيدا..

لما اكتـُشفَ المرضُ في أول مرة جاءه طبيبٌ مختص، وجلس أمامه وقال له بالحرف الواحد: مرضك نهائي، ولا أمل. لم يرتجف الرجل الوردة، وقال له الأمل بالله. إلا أن الطبيبَ واصل مصرا أنه سيعاني مصيرا مظلما من الآلام والمضاعفات للنهاية. ولما قال لي ذلك وهو ينتقد الطريقة بابتسامته، اشتعلت غضبا، وبكيت بحرارة لا أدري حزنا، أم غضبا من الطبيب..

قابل طبيبا آخر مختصا بالأورام، ولكم وددت أيضا إيراد اسم الطبيب، فهو يستحق مني احتراما مديدا، هذا الطبيب قال له – في حين أنه لم يـُكذِبْه- أن الله هو خالق الحياة، وأن الطب يتقدم برمشة عين، ثم قال له شيئا: من تسنح له الفرصة ليرتب حياته؟" ما أجمل الكلام.

اليوم هو يصلي، ويسعى للدواء، ويتصل مع أصحاب الأمل .. ليس لأنهم سيهبونه ما لا يقدرون عليه.. ولكنه لأنهم يهبونه ما يقدر هو وهم عليه، وهو : الأمل.. الأمل بالله!"..

آخر مرة زرته، كانت بسمته ما زالت تنبع من روح لا تعرف إلا النور.. وآخر ما سمعت منه:" الأملُ بالله"

اللهم ارحم عبد الرحمن عبدك الذي عاش ومات محبا للخير، عابدا صائنا لفروضه، المؤمن الذي أمرتهُ بحب الناس فأحبهم، المؤمن الذي كان يقينه دوما.. أن الأملَ بالله.