سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. إنه تخدير العقل تماما ليسلم الفتى القياد تماما لمن احتلوا دماغه، وتسللوا إلى آخر خلية في نظامه العاطفي، ليسلم حياته كلها للوهم، فإذا هو لا يرى إلا بعيون معلميه، ولا يشم إلا بأنوفهم، ولا يدق قلبه إلا بكلماتهم، ولا يصدق في الدنيا إلا وعودهم.. إنها قصة "شيخ الجبل" تتكرر من جديد..
شيخ الجبل، الحسن بن الصباح، الإسماعيلي الباطني، الذي خرج حتى عن إسماعيليته ليقيم مذهبا له وحده، ويعلن حربا عل كل أمراء المناطق الإسلامية، وعلماء المذهب، ولم يبق في قلبه الذي صار جمرة من الحقد إلا أن يحرق كل الدنيا من أجل أن يسود هو.. وبنى قلعة كالخيال في وادي إلموت شمال بحر قزوين، وزرع في داخلها أروع الجنائن، وشق مهندسوه قنوات صبوا فيها الخمر والعسل واللبن، ثم خطف واشترى لها أجمل بنات الدنيا لتكون الجنة الموعودة التي سيوهم بها جنوده. وجنوده أيضا من الصغار المخطوفين والمشترين من الأصقاع، وأنشأهم على الحرب والطاعة التي تصل لعبوديته.
خدر نخبة منهم وألقاهم تحت هلوسة الحشيش في جنانه المصنوعة، وصحوا على أنهم في النعيم وسط الفراديس مع الحوريات ونهر الكوثر.. ولما عادوا، صاروا يريدون العودة بأي ثمن، وكان الثمن أخذ الخنجر الذهبي الذي يسممه الشيخ الآسر بنفسه يرسل به واحدا من الفتيان ليقتل أميرا أو عالما، والمكافأة للولد أن يموت في الحال بعد أن يقتل نفسه أو يقتله حراس القتيل، ويموت في أقصى نشوة لأنه ذاهب لفردوسه الذي رآه وخبره، وما يجد متعة إلا في الموت جسرا علويا للسعادة الخالدة!
الشباب الصغار الذين يفجرون في كل مكان هم بالفعل يخربون، ويدمرون، ولكن هل سألنا أنفسنا هذا السؤال المهم: " أين شيخ الجبل ؟ " وأنا لا أشك إلا أن هناك أكثر من شيخ جبل، وأكثر من قلعة إلموت، إن لم تبن في الحقيقة فهي بنيت أعمدة راسخة في قلب وروح كل شاب حمل قنبلة لا ليقتل ويخرب، في تصوره تحت وهم السعادة الخالدة، ولكن لأنه ببساطة يريد السعادة الخالدة، يريد الجنان المفتوحة، والأنهر بشلالات العسل واللبن والمذاق العلوي.
وهنا نعيد التفكير، فقد لا يكون من السهولة أن نجد شيوخ الجبل، مع أن علينا الحرص على ذلك أكثر من الحرص فقط على سجن الشباب المأخوذين ومحاربتهم، فهم ليسوا أصل الداء، إنما للأسف هم عوارضه، وهم ليسوا أهل المعركة الدموية ولكن للأسف هم أدواتها، هم ليسوا النار ولكن هم وقودها!
لماذا لا نتخذ ما يعرف بالطرق المجابهة؟ وهي أن نخلِّص الصبية من الملوثات التي انغرست في عقولهم، وأن نعقم الالتهاب الفكري والروحي الذي ولغ عميقا بغثائه ومفرزه الأصفر الثقيل، بأن نجند حكماء متنورين محبين مخلصين يرجون الله في السماء عند كل خطوة يضعونها في الأرض، وتكون مهمتهم ليست أمامنا وحسب، إنما أولا وأخيرا أمام الباري، بأن يعلموا على جبهتين مهمتين: الجبهة الأولى، هي التي نسميها الجبهة الوقائية، أن نشجع جمع الصغار في سلسلة تجمعات عبر كل البلاد ليشرف عليهم هؤلاء الحكماء المتدينون المخلصون الخالصة قلوبهم من الحقد والكره والانتقام والولع في الحرب، ويقودوهم إلى درب الله المضيء بالخير والحب والقوة .. القوة الخيرة التي أراد الله بها أن يعز بها الإسلام ويعتز بها المسلمون، القوة المصاحبة للاحترام والحب حتى لمن يقفون في المعسكرات الأخرى، لقد فتحنا يوما العالم ونحن عادلون فاتحد العالم حولنا.. لم يغدر المسلمون يوما ولم يتسللوا في ظلمة، ولا جاؤوا من مدخل غدر.. الطريقة الوقائية تضع أجيالنا على الدين القويم، لأن الفتية يشبون وعواطفهم تمور في داخلهم، ولا بد أن يلتقطهم أحد قبل أن يلتقطهم آخرون يجعلون من العواطف الفوارة حمما من نار تأكل الآخرين، وتحرق نفسها. لا يجب أن نحد من الحلقة الدراسية الصحيحة، فهنا يضيع البديل، ويقل الخيار، وتنفتح جبهة النار!
الجبهة الأخرى، الجبهة العلاجية، هذه الدعوة السامية في حكمتها وإنسانيتها وإخلاصها ومحبتها لكل الأمة لفتح باب الرجوع للأحضان، أن نفتح أذرعنا من جديد لحضن أبنائنا وضمهم إلى قلوبنا، والله نحن متأكدون أن قلوبَ أمهات وآباء تتفطر حزنا مقيما موجعا خانقا، ولو عاد الأبناء تائبين فهم أول من يحافظ على توبتهم والإشراف على مسلكهم، ونحن متأكدون أن في السجون قلوبا صغيرة تبكي وتتشوق للثمة الأم وضمة الأب، هم مجرد كائنات صغيرة أجرم بحقهم، وأجرم بحقنا مجرمون كبار..ما زالوا في الخارج يعبثون ويضرمون البراكين!.. نطلقهم، نستلمهم، ثم نعيد تأهيلهم!
التوبةُ.. ما أحلاها! أليست هي كلمة من لغة الفردوس.