ابن تيمية: حين يتقدم الماضي على المستقبل؟

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. ليس رأيي مطلقا هذا الذي ستقرأ اليوم، ولا لي فضل حرف فيه، ولكنه من مفكر متعمق، وناشدني ألا أشير لاسمه إلا بـ "الكاتب الخفي".عرفته من كثب، وعرفه قـُرّاءٌ تابعوه وأسلوبه الخاص، ثم لأمر ما توقف. وخصني - وأرجو أن أكون لائقا بهذا التخصيص - بأن يعرض بعض مواضيعه الفكرية التي تشغل كثيرا من الناس، وبالذات المفكرين. ولا أشير إلا أنه رجلٌ ملتحٍ من فجر شبابه، وبفكرٍ واسعٍ ومطلعٍ على ثقافات عالمية بتمعنٍّ شديد، مع رسوخ فكري في الثقافة العربية والتراث.. ولا أود أن أسترسل أكثر فأنقض وعدا أخذته على نفسي، وأترككم لما كتب:

أستاذ نجيب،

السلام عليكم.

كنا نتبادل الحديث، مجموعة من الشباب وأنا، حول أحد البرامج التلفزيونية التي أثارت جدلا واسعا، وكان من الاعتراضات التي أبداها الشباب على البرنامج تناوله بعض المسلمات الشرعية بالنقاش، والأخذ والرد، وهذا اعتراض مقبول لولا أن دائرة المسلمات تم توسيعها لتشمل الكثير من المسائل القابلة للنقاش، حينها طلبت أن يذكروا لي أمثلة لهذه المسلمات، لأفاجأ بأنهم لم يستحضروا أي مثال ٍلها.. وليفاجئوا هم أيضا!

واحدة من الإشكاليات الكبيرة التي تواجه الفكر المتدين، هي إشكالية توسيع دائرة المسلمات، فلأن المسلمات مقدسة، ونقضها أو انتقاصها يخرج الإنسان من دائرة التدين، ولأجل هذا الشعور بالهيبة لها، وهو شعورٌ طبيعي.. إلا أن غير الطبيعي أن نسحب دائرة التقديس هذه على كل المسائل الأخرى التي اتخذنا فيها موقفا بناء على أرضيةٍ دينية، متجاهلين الحقيقة الكبرى التي تعرفها كل الأديان، من أن ما تراه أنت دينا، لا يراه الآخرون كذلك، وما تراه واجبا يراه الآخرون مباحا، وربما محرما، وإذا اعتبر كل واحد أن ما توصل إليه هو الحق الذي لا مراء فيه، وتحول مع الوقت إلى مسلـَّمة، فبالتالي الذي يقف على موقفٍ مخالفٍ، وحتى لو انطلق من أرضيةٍ دينيةٍ هو خارج على واحدة من المسلّمات، وبالتالي على الدين بأكمله.

هذه مقدمة لإيراد واحد من نصوص شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو من أثـّر في الفكر السني من بعده حتى لم يكد يخرج عالـِمٌ من دائرة تأثيره، وبالذات الحركات الإسلامية المعاصرة، التي حولت أقواله من مجرد رؤى عالم إلى منهجٍ ونظامٍ تعتمده كأسلوب عمل.

هذا "النصُّ التيمي"، يدور حول واحدة من المسائل التي ازداد التوتر حولها في الطروحات المعاصرة، وما زال التوتر سيتزايد حولها نتيجة لظروف التغيرات التي تعصف بالعالم من حولنا، وبمناطقنا نحن بالذات في الفترة الأخيرة، هذه المسألة التي طال حولها الجدلُ، هي مسألة الولاء والبراء، التي صار تطبيقها يؤدي إلى مجموعة من الإشكاليات التي تحاصرُ الإنسانَ المسلم.

في السائد من الفكر الإسلامي المعاصر، أن الولاء والبراء حقيقة واضحة المعالم، ولا يسع المسلم إلا تطبيقها، ومخالفة غير المسلم واحد من هذه التطبيقات، مخالفته بالهيئة واللباس والعبادة.. ومع كل التنامي في احتكاك المسلمين بغير المسلمين نتيجة للإعلام والاتصال والتواصل المباشر ومع كل الإشكالات التي تسببها مخالفتهم نتيجة هذا الاحتكاك، بقي السائد في الثقافة الدينية، يتحدث عن المخالفة كأنها حقيقة لا تقبل التعطيل أو التغيير وفق أي ظرفٍ أو زمانٍ أو مكان، بل إن مجرد طرح التساؤل حولها في بيئات علمية شرعية كثيرة يثيرُ الكثيرَ من التساؤلات حولك أنت، وحول من تكون؟ وماذا تخفي من أجندة يجب مقاومتها حتى قبل أن تفسرها..

"النص التيمي" يبدو أقرب لعصرنا بكثير من غالب الطروحات المعاصرة التي تتناول مسألة الولاء والبراء والمخالفة، وهي في بيئات منعزلة لا تشعر بحقيقة الإشكالات العملية التي تواجه من يحاول تطبيق هذا الطروحات في الميادين الواقعية، فضلا عن الإشكاليات النفسية للإنسان المعاصر التي يبدو أن المدارس الفكرية الشرعية تعتبر الحديث عنها ترفا لا جدوى منه، إذ لا يعيش إشكالات كهذه إلا من في دينه خلل ما!

أتركك يا أستاذ نجيب، مع النص التيمي، وفيه يشير ابن تيمية إلى وجوب ترك المخالفة في حالاتٍ معينةٍ، وهي كثيرة إذا طبقتها على واقعنا المعاصر. ابن تيمية، الذي يوصم بالتشدد، يفتي بوجوب ترك مخالفة غير المسلمين، لتعلم، أن في ثقافتنا فقط يمكن أن يسبق الماضي المستقبل، ويحجبه متقدما عليه!

أستاذ نجيب، أهديك وقراءك الأعزاء، قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة إظهار المخالفة:

"... إن المخالفة (لهم) لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوّه... فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا شُرع بذلك. ومثل ذلك اليوم، لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية".

.. وبدوري أترككم لتتأملوا.