سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. هاتفني مدير محطة تلفزيون الدمام الإعلامي النشط سعيد اليامي للمشاركة في برنامج "نبض المجتمع" وقد كنت قد شاركت الأخ سعيد من حلقاته الأولى، وأرى أنه رغم فقر الإمكانيات، وضعف الإمداد، فهو واحد من أفضل البرامج التي تعتني بشؤون المجتمع ومشاكل الناس لأن لب فلسفته قائم على ملامسة الواقع وتسجيله وتوثيقه وهذا الواقع هو المشاكل التي تقع على وتحصل بين الناس.. ثم يتم نقاشها مع فئة مختارة من المهتمين وعينات من أصحاب المشاكل أنفسهم. لو قُيض لهذا البرنامج الدعم الذي يستحق من إدارة التلفزيون لكان واحدا من نجوم البرامج، أو ربما جوهرة البرامج الذي تفتخر به.
وأعود إلى مكالمة الصديق العزيز، فهو اقترح أن أشارك ببرنامج يسبق دخول الشهر الفضيل مباشرة حول المخيمات الرمضانية، واتفقنا ونحن نتبادل الرأي ألا يكون النقاش محصورا على المخيمات، ولكن ليكون قاعدة ننطلق منها لمناقشة الموضوع الأكبر، وهو الأخلاق والسلوك في الإسلام. وكان منطلق ومحور اتفاقنا، هو أن الإسلام عبر المقارنة بالأديان الأخرى، وملاحظة المشهد التاريخي في انتشاره المذهل حول العالم، لم تكن مادة انتشاره بين مئات الملايين عن طريق الوعظ، أو أن الوعظ لم تكن وسيلة ذيوعه الأولى، وإنما كان الإسلام – ومازال- يحمل بذرة انتشاره بذاته، وهذه البذرة تنتشر بالهواء حالما يصل المسلم المتسم بأخلاق وسلوك الإسلام أي أرض قربت أم نأت. أو أنه يحمل في إمكانياته بث العدوى التي تصيب الجموع الغفيرة، ولكنها العدوى الحميدة، والطيبة، العدوى المنجية من الضلال والضياع وتيه الشكوك.
وفي السلوك والأخلاق كان مثلنا دوما هم التجار الحضرميون الذين كانوا يتنقلون في جزر الهادي للتجارة وليس قصدا لنقل أو نشر الإسلام، لكنهم كانوا مسلمين بسلوكهم، وأخلاقهم بالتعامل مع الأهالي، مع طيبة وليونة نفس، ومرونة تعامل، وصدق كلمة، وعدل في المقايضات، وهذا السبب الرئيس الذي دعا الناس لكي يتساءلوا: من أين جاء هؤلاء الناس؟ لماذا هم هكذا؟ من أين هذه الطيبة وحسن المعاملة؟.. ما هي دوافعهم وبإمكانهم أن يأخذوا منا أضعافا؟ إذن ركزتُ على حسن المقايضة، لأنك مت رجعت لتاريخ التجارة في الشرق في القرن الرابع عشر الميلادي وما يليه لوجدت أن تجار الصين كانوا يحكمون الجزر بتجارتهم، وتقوم أساسا على الإقراض، والإقراض رهنُهُ التبادل والمقايضة، أما يقايض به الصينيون فهو إردب مقابل حقل أرز كامل، فوق الفائدة التي تكبل الناس أجيالا كالعبيد، مع شراسة وجفاف معهودة عند تجار الصين في ذاك الزمان.. وجاء على النقيض كالماء الزلال الصافي تجار حضرموت.. وهم لم يأتوا علماء، وجاءوا مسلمين خلصا، هذبهم، ورقق قلوبهم، وأحسن طويتهم الإسلام.. فكان لابد للإسلام أن يسري في جزر الهادي كما تتشرب الماءَ الصافي الأرضُ الجافة العطشى..
وهنا، كان لابد أن يلمع في رأسي أكثر المرشحين لحضور الحلقة، واستأذنت الأستاذ سعيد بذلك وأبدى ترحيبه. وأما هذا الشخص فكان صديقي وزميلي يوسف أحمد، الأمريكي المسلم، الذي اتصل بي أحد أصدقائي بعد البرنامج ليعلق قائلا: "هذا الرجل لم ينقصه إلا جناحان ليكون ملاكا"، وقد خرج في البرنامج بالزي السعودي الأبيض كاملا، وبلحية مطلقة بيضاء كالريش، وبشرة مشعة ببياض الإيمان.. دعني أولا أعطيك مختصرا عن صديقي يوسف أحمد:
لما جاءنا من سنين، لم يكن يوسف أحمد، بل كان اسمه "بل كارول"، وكان رجلا عبقريا- حتى الآن- بهندسة البرامج والحاسب، وبالذات في مجال أنظمة التحكم في محطات الكهرباء، إلا أنه كان ذاهلا، مزاجيا، صعب القبول لتقلبه وغرابة شخصيته، كان من الأرواح التي يسميها الأمريكي الكبير "همنجواي" التي تبحث عن جوهرٍ مفقود، وتعيش السعير ذاته إن لم تجده"، ولا أجد وصفا لحالة السيد كارول أكثر من وصف همنجواي، فقد كان روحا ضائعة، مع رحابة قدراته ومهاراته العقلية، وهذا الضياع الروحي ناشئ عن بحثه عن الجوهر الذي يملأ هذا الخواء الذي يؤرقه- كما قال لنا وللمشاهدين على التلفزيون مباشرة- فهو ولد على مذهب الكاثوليك، ومع بلوغه الرشد، حار في ضعف في مذهبه وعدم استقامته مع العقل والمنطق، فكان أن أبدى وجهته نحو الكنيسة الأخرى البروتستانتية، ولكن ذلك لم يملأ الخواء الذي كان يفقده التوازن مع الحياة، فقرر الخروج من النصرانية كلها. اتجه إلى المذاهب الشرقية فتنقل بين البوذية والطاوية حتى أنه تزوج امرأة صينية بعد أن أقنع نفسه أنه وقع على الملة التي ستجعل روحه الفارغة تفيض هدوءا وسكينة وتماسكا مع عناصر الكون.. ولكن زاد الضياع مع الملة الجديدة، ومع الزوجة الجديدة.
أما سببُ إسلام السيد كارول، ليكون هذا الإنسان المنير الهادئ الشخصية كجدول ربيعي، فلم يكن مكتب دعوة أو وعظ أو إرشاد.. ولكن بفعل عظمة الإسلام بذاته لما يتمثل في مسلم نقـّاه مسلك الإسلام، أتركه ينقل القصة كما رواها على المشاهدين في برنامج "نبض المجتمع":
".. بعد أن مررت على كل تلك الكنائس والديانات الشرقية لم أجد روحي استقرت، مازال ذلك الفراغ الكبير، حتى رأيت الدكتور علي متولي وهو أمريكي من أصل مصري ( وأعرفه أنا بشخصه) ورأيت كيف يصر على الصلوات وفي مسجد يبعد أميالا عن مقر عملنا في سان خوزيه بكاليفورنيا، وكيف يضيء وجهه بعد كل صلاة، وكيف كان يصر على الصيام في رمضان في أيام العمل المرهقة في كاليفورنيا.. لما سافرت معه إلى هولندا فهي التي أطلقت دفقة من الضياء في قلبي لتبدأ رحلتي في الدخول إلى الإسلام والحمد لله (ويكررها كثيرا بالعربية)، فبعد عشرين ساعة سفر متواصل، فإن حلم كل مسافر هو من المطار إلى الفندق للراحة، إلا الدكتور متولي فلم يتجه إلى الفندق إلا بعد أن استعلم عن أقرب مسجد، وجهة القبلة، ثم أحس أنه مغلف بالطمأنينة والأمان.. وذهب للفندق.."
ونحن في الطريق عائدين بعد البرنامج مسح يوسف أحمد الدمع من عينيه، وهو يخبرني كيف أحب بلادنا، وهو قد تزوج مسلمة صالحة، وبمساعدة زميلنا الأستاذ عز الدين داود الذي صار أخا حقيقيا له. سكت فجأة، ثم وضع يده على كتفي، والتفت بوجهه المكلل بلحيته الثلجية ليستعطف قائلا: هل أطلب منك خدمة؟
- تفضل.
- أمنيتي بعد تقاعدي أن أبقى في المملكة، وأبني مسجدا صغيرا من مالي الذي وفرته وألحق به مدرسة صغيرة للاتصال مع الغربيين والأجانب في البلاد وشرح الإسلام لهم، ألا ترى أني كأمريكي اعتنقت الإسلام أملك دليلا على رحابة الإسلام بذاتي؟ ودار في ذهني أن هذا من الحلول الناجعة لتقديم الإسلام وبلادنا للغربيين ونحن نحاول أن ننقل الصورة الحقيقية.
أومأت برأسي قائلا: لا أملك بيدي شيئا يا يوسف.. ولكن سأحاول.
.. أول محاولاتي هذه المقالة!