عندما تكون سعوديًّا أكثر من السعوديين!
سنة النشر : 25/09/2009
الصحيفة : الاقتصادية
استغربتُ حينما كان يتحدثُ معي الشاب المبتكر ''مهند أبو دِيّة'' عن مرشدهِ الأستاذ ''يوسف السحّار''، وهو مخترعٌ يقدم نفسه للعالم بأكثر من 50 اختراعاً سعوديا، وتكاد تهمه صفة ''السعودية'' أكثر من الاختراع ذاته، ودليلي ما قاله لي هو بنفسه ذات يوم: ''لم يكتمل تسجيل اختراعٍ لي هنا، فطلبه الصينيون بمبالغ كبيرة، على أن يبقى مسجَّلا بشهادةِ براءةِ الاختراع باسمي، بشرط أن يظهر للعالم كاختراع يحمل اسمَ الصين لا المملكة.'' فلم يتردد رمشة عين بأن يرفض طلبهم، وهو بحاجةٍ إلى المال، بل إلى كل ريال.. نعم، كان يقول لي مهند: ''يوسف سعوديٌ أكثر من السعوديين''، ورفعتُ حاجبا الاندهاش لقمة جبهتي: ''يوسف ليس سعوديا؟'' قال لي: ''لا، ولكنه عاش في السعودية، فعاشتْ السعوديةُ في قلبِه''.
رأيتُ أن هذا أفضل بوابةٍ لنلج منها لمعنى أن تحبّ بلادَك.. شاعَ من يضع دبّوساً بشعار البلادِ على لباسِهِ، أو يعلـِّق علـَماً أو شِعاراً على سيارتِهِ كي يعبِّرَ عن وطنيتِهِ وحبِّهِ لبلادِهِ، أو صورة العاهل كرمزٍ تجتمع حوله الأمَّة، وكلّها دلائل ظاهرة على الفخر بالوطن.. ولكن حقـّا ما الذي يجعلنا، أو يجعل أي أحدٍ، يتعلق بالوطن؟ يتفق العالمُ على أن حبَّ الوطن وصيانة مصالحه واجبٌ لا يناقـَش في مسألةِ وجوبِه، لذا ليس هناك بلدٌ في الأرض لا يعتبر أنّ من يتعمّد تخريب مصالح وطنه خائن، والخيانة دوماً تلقى أكبر عقابٍ تنصُّ عليه دساتيرُ وشرائعُ الدول. على أن الواجبَ والمفروضَ شيءٌ، وأن تحبَّ بقلبِك وإرادتِك وتشعر بالامتنان لبلادِك شيء آخر.. النوع الأولُ يؤخـَذُ كما هو، لذا يقع تحت طائلةِ العمل والجزاء. أمّا ما في القلب فيبقى الأهمّ والأقوى، وبينما يقود الثاني للأول، لا يكون بالحتم والضرورة أن يقودَ الأولُ للثاني.. فكلاهما عالمان يختلفان: عالمُ الفرض والواجب، والمصلحة، وعالمُ القلبِ وما في الضمائر.. العالمُ الأخيرُ هو الأصفى وهو الأبقى، وهو العنوانُ الأسمى الذي يقود لباقي العناوين. وبما أننا بمعطياتِ الظرف والموضوع لا يمكننا مناقشة أمرٍ مفروض وواجب، لأنه متعلق بالعمل المادي المرتبط بالنصّ القانوني أو الدستوري، ولكن الأبوابَ مشرعةٌ لمناقشة ما يكمن في عالم العاطفةِ المنقطعة، والمحبة الطوعية التي لا يدفعها جزاءٌ، ولا يمنعها عقابٌ.
لذا نعاني خللا في تعليم أولادنا الوطنية بالمنهج الموضوع، وبما يدور تقليديا في الإعلام، لأنّ التركيزَ على الواجبِ، لا على الطوعية.. على المظاهر لا على ما في السرائر، على ما أعطاك بلدُك ماديّاً لتقدم له العرفان والشكر، وليس إذكاء جذوةِ محبةٍ تنبع من أصل الكيان وكامل الوجدان، لأن هناك شيئا أكبر من العطاءِ المادي، ولأن العطاءَ لا يُقاس بالعمل الامتناني ولا الخدمة القائمة على الشكر، ولكنه قائمٌ على نبعٍ زلالٍ بلا قرارٍ هو ما نسميه.. التفاني. والتفاني فعلاً يأتي من جذر الكلمةِ فناء.. وذاك في اللغةِ لا في المُتـَعَارَف. واقترضنا من اللغةُ معنى الفناء لإثبات قوة العطاء المتواصل للمحبوب بلا تعبٍ، بلا ظهورٍ، بلا ادعاءٍ، بلا توقع قبول ماديٍّ، سوى أن يبقى المحبوبُ محبوبا.. وبينما يبقى حبّ الواجبِ والفرض معرَّضا، لكونه مظهرياً قابلا أن يكونَ عتباتِ تسلق، للحماسةِ الفائقةِ غير النافعة، وربما للتصفيق بداعٍ وبدون داع، والتطبيل حتى بلا جوقةٍ مناسبة، والاحتفاء بدون دواعي الاحتفاء، فيصير طفحاً زئداً ومضراً ومُخِلاّ بتركيبةِ الوطنية الحقـّة.. يبقى الحبُّ القلبي المتفاني هو المولـِّدُ الحقيقي لشجاعة النصح للحبيب، وبذل النفيس رخيصاً من أجله، والحفرُ بالأصابع العارية في الأرض الصخرية لتفجير شلالاتِ الإبداع التي ترفعُ الوطنَ لمناوشةِ الذُرى.
حبّ الوطن الحقيقي هو تلك المرساة الخفية الراسخة، التي تربط سفين عواطفنا بمراسي أرض الوطن، حين يشعر الفردُ أنها الأرض التي ولِدَ عليها، الأرضُ التي يمشي عليها أقربُ الناس وأحبهم إليه، الأرض التي يشعر فيها بكرامتِهِ الفردية، وأمانِهِ العائلي، ورزقه مقابل عمله، والفرصة بإعطائه العمل وهو قادر على العطاء فيه، الأرضُ التي يشعر أن جاذبيتها تحمي توازنه وثباته وتدفع حركته للأمام.. الأرضُ التي يرى فيها حاضره ويستطيع أن يطِلّ بها على مستقبلِهِ.. إنها الأرضُ التي ليس لها بديل.. وبرأيي أن الحبُّ الحقيقي هو ألا تجدَ شبيهاً ولا بديلاً لمن تحب! صحيح أنكَ تحتاج إلى وثيقةٍ لإثباتِ الجنسية.
ولكنك تحتاجُ إلى قلب محبّ ونفس متفانية، وأنت لا تحمل الوثيقة لتتفوق على من يحملها. لذا صدَق مهند: يوسف سعوديٌ أكثر من السعوديين!