أمّ الديمقراطية

سنة النشر : 08/08/2009 الصحيفة : اليوم

 

.. حدثان في الأسبوع الماضي شغلا تفكيري.

وصلتُ العاصمة الفلبينية ما نيلا، ولم تستطع السيارةُ التي أقلتني للفندق أن تتحرك دورة عجلةٍ واحدة لوقتٍ حسبته الدهرَ.. زحامٌ هائلٌ وثقيلٌ وكأنه من مشاهد ملحمة «دانتي» في الكوميديا الإلهية. فتذكرتُ للتوّ أن الرئيسةََ الفلبينية، التي أتت مباشرة بإرادةٍ جماهيريةٍ بعد الديكتاتور «ماركوس»، والتي تـُسمى أمّ الديمقراطية في الفلبين، أو السيدة ذات الرداء الأصفر، «كوري أكينو»، قد رحلتْ رحلة النهاية..

يوم ماتت، كانت قد اندثرت قوتها وانطفأ ألقها، فقد توالت بعدها العهودُ، ثم أنها ليست ممن يخرجون للإعلام، فكنت أحسب ان ذاكرة الأمة الفلبينية نسيتها.. فهي لا تُذكر في الكتبِ المقررة، ولا في الصحف، وكأن عهدَها ثقبٌ في الذاكرة، مع أنها أول من أقام حكما ديمقراطيا عصريا في الجزر الفلبينية، وحرّرَتْ الأنظمةَ والمؤسساتِ من الطغيان العائلي لمجموعة ماركوس.. وفتحت سمعةً جديدةً وعالمية للفلبين، وكان زوجها «نينوي أكينو» ( وسمي مطار مانيلا الدولي باسمه) قدّم حياته من أجل الكفاح لشعبه في نفس المطار بعد وصوله من منفاه من الولايات المتحدة، وقيل أن ماركوس خطط لعملية الاغتيال، أو أنه سمح بها.

ولكني فوجئتُ بحداد الأمة، وبطابورٍ استمر ساعات فقط ليطل كل فردٍ على رفات المرأة الراحلة.. ولم يبقَ كاتب في الصحف الفلبينية لم يكتب عنها وعن عهدها. فجأة انقلبت كل الفلبين صفراء.. الدرسُ الذي تعلمته أن ذاكرةَ الشعوب لا تنسى، وأن الناس بالفعل يُقـَيَّمون يوم موتهم، هناك من يعيش بالضجة الكبرى ، ويموت بالسكون والإغفال، وهناك من يملأ الدنيا حيا وميتا.

إن الشعوبَ تكافئ ولو بعد حين.. بل تواصل تقديرُ الراحلة، واعتبارها بطلة الفلبين بعد «روزال» محرّر الفلبين من ربقة الاستعمار الأسباني، مما أحرج عهدَ السيدة «جلوريا أرويو» الذي قورن سلبيا بعهد أكينو. وهذا درسٌ يتعلمه الناسُ للحاضر، من التاريخ.

والحادثة الأخرى، وقل الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما، أما العالم فيشكر الرئيس الأسبق «بـِل كلينتون» ونائبة «آل جور»، لأنهما حرّرا صحفيتيْن أمريكيتيْن من السجن في كوريا الشمالية بتهمة اختراقهما للحدود.. وتبنّى الرئيسُ الأسبق القضية إنسانياً كما قال، وقدم نفسه أنه مجرد مواطن أمريكي، حتى لا يُحرج الحكومة الأمريكية في التعامل رسميا مع دكتاتور كوريا الجنوبية، وقدم الفرصة العالمية للرئيس الكوري الشمالي لتلميع صورته أمام العالم.. ونجح في تحرير الشابتين وأخذهما معه إلى الأراضي الأمريكية، حيث أُسْتـُقبـِل استقبال الأبطال مع المرأتين.. أنظر أولا كيف أن رئيساً حالياً يثني على رئيسٍ سابق، ويكرسّه بطلاً إنسانيا من غير تردد.

من سمع في كل العالم العربي، أو في العالم الثالث، رئيسا يثني على رئيسٍ سابق؟ ثم لا حظ شيئا آخر، أن الرئيسَ السابق ما زال يعمل بكل حريته مستغلا رصيده العالمي والمحلي في عملٍ أمَمي بدون أن تعترض مؤسسة رسمية واحدة، ثم أنظر أن الأوباميين لم يحرروا صكَّ العمليةِ الإنسانية الكبرى ( بعين الأمريكان) لصالحهم، كما تفعل الزعاماتُ التي نعرفها.

ثم أنظر كيف تتحرك أمة بكل إمكاناتها من أجل تحرير مواطنتين مع أنهما خرقا القانون المكتوب للدولة المعنية، وتنجح بذلك رغم العداء المكين.. والدرسُ واضح في رحابة القبول، وسعة الحرية، وتقدير الأعمال، والأهم في الاهتمام بالفرد التابع للأمة..

وتذكرتُ أننا يجب ألا نقف عن تحرير سعوديين في سجونٍ أجنبية، مثل السعودي «حميدان التركي» والذي سُجن من غير جرم أكيد، ومن قبل دولةٍ صديقةٍ جدا..