سنة النشر : 15/08/2009 الصحيفة : اليوم
.. في «بيسايا سيتي» بالفلبين مسجدٌ عريقٌ للتعبدِ والثقافةِ وطلب العلوم، ومن طبيعة الأمور أن المسلمين هناك يقيمون له احتراماً وتقديرا مع كل طقوس التبجيل، وستقوم الحكومة الفلبينية بغلطةِ العمر فعلا إن سمحت للمضي في مشروع قد يشعل قنبلة حربٍ أهليةٍ جديدة، ولكن هذه المرة ستمتد كما تمتد قذائفُ النار في الأحراش الجافة.. المشروعُ هو هدم المسجد العريق المنيف، وإقامة كازينو للقمار.. !
والخبرُ كان في رأس أخبار جريدة «مانيلا بوليتين» وهي جريدة العاصمة الأولى، وأقدمها.. والجماعاتُ الإسلامية أرسلت تحذيراً واضحاً وقوياً للحكومة الفلبينية: «إن جرأتْ يدٌ وامتدّتْ للمسجد فإن دماءَنا ستكون فداءً له.» وفي بيان آخر: إن رمضان قادم وسيكون موتـُنا دفاعاً عن المسجد، والذي هو رمزُ ديننا الإسلامي، عبارة عن أجريْن، فمع أجر الصيام فسنستبسل من أجل أجر الشهادة».
واتصل بي رئيسٌ من جماعات «أمة» الإسلامية، وطلب أن نتعاون للصدّ عن المسجد محلياً وعالمياً، وأضاف أنها ضمن خطة مرسومة لتقليص الحجم الإسلامي في جزر الفلبين، وقد يأتي من يقول ان الرجلَ انتقلت له عدوى أفكار المؤامرة، ولكني أقول وبثقة: كل ما تفعله جماعاتٌ سياسيةٌ هي في المقابل عند جماعاتٍ أخرى تعتبر من المؤامرات، السياسةُ قائمة على ذلك، هذا هو الواقع.
أبلغتُ سفيرَنا الأستاذ محمد أمين ولي بالحال وهو على رأس الموضوع، لأن المملكة هي التي يتوجه لها المسلمون في الشرق الأقصى، ونحن يجب ألا نترك أعمالا خطيرة ضد الحق الإنساني للمسلمين كما تقره كل نظم العالم المرعية بدون أن تكون لنا الكلمة الأولى في الأمر. هل يعتبر هذا تدخلاً داخليا في أمور دولةٍ أجنبية؟ سؤالٌ أتركه معلقا لقرائي الأعزاء، ولأساطين السياسة والعلاقات الدولية، ولكني من منظوري الصغير أراه حقاً إنسانياً عالمياً يجب أن تتدخل به المنظماتُ الدولية، وأولها نحن.
والساحةُ العالمية ملأى بالدلائل الشاهقةِ على التدخل الدولي المباشر في القضايا الإنسانية العامة. وبعيدا عن مسألة التدخل من عدمه، فهذا هو بيشوب ( أٌسْقُف) أكبر كنيسةٍ كاثوليكية في الفلبين يصرح مهددا: «إياكم أن تهدموا المسجد، وألا هو الخرابُ العام.. إياكم أن تجرحوا المسلمين في أعز أصولهم الدينية، وألا هو الغضبُ الجارفُ الذي لا يُبْقِي.. إياكم أن تجرءوا حتى على التفكير فرمضان شهر المسلمين المقدس على الأبواب.«
وصدق البيشوب الكاثوليكي، فهو، حتى الآن، أقوى صوت في الأرخبيل الفلبيني وقف صراحة ضد مشروع الهدم.. بل هو يقول كيف يستقيم المنطقُ أصلاً بهدم بناء نور وفضل، لتشييد بناءِ خطيئةٍ وفساد؟ حتى الآن لم يمضِ المشروع، ولم يُعط النورُ الأخضرُ لبدء الهدم، ولكن كما يبدو هناك خطة موضوعة ومنتهية لهدمه وإقامة مكانه كازينو قمار، وهذه الكازينوهات التي ملأت الفلبين الآن هي التي تقوض اقتصادَها الجمعي والفردي مع أنها بإمكانها أن تشكل واحدة من أكبر ثروات حزام المحيط الهادي.
وهي الفرصة أن نتدخل بالنصيحة للحكومة الفلبينية بما يربطنا معها من عرى صداقةٍ خاصةٍ وتبادل بشري وثقافي من عقود.. إن التدخل الذي من أجل المسجد والحفاظ عليه هو من صميم مصلحة السلام بالفلبين للتعايش على جزرٍ بركانية.. وأكبرُ حمم محرقةٍ وجارفةٍ هي حممُ الغضبُ الديني.