الزمالةِ الجامعية

سنة النشر : 22/10/2009 الصحيفة : اليوم

 
ثلاثةُ أمثلةٍ بازغةِ الوضوح:
 

السيد «عبدالعزيز الرقابي» كان المسئولَ عن الرعايا السعوديين في سفارتنا بالفلبين. عندما يُسجَنُ سعوديٌ في سجون الفلبين، حتى ولو ارتكب فِعْلا يعاقب عليه القانون، كان بإمكانه أن يقول أنها ليست مسئولية السفارة أن تُخرج سجيناً ارتكب خطأً وتعدياً على قانون الدولةِ المضيفة، وهنا لا لوم عليه فهو يطبقُ حرْفَ النظام، المسئولية المخطوطة بالنص.. ولكنه كان يجري من سجنٍ إلى سجن، ويربط الليلَ بالنهار كي يُخرج سجيناً سعودياً وبأيّ ثمن، وكم عرّض حياتـَه لخطرٍ محقق لاختلاطه في بيئاتٍ تدعو لذاك الخطر.. كان يتكل على الله، ثم يوخزه ضميرُه الذي لا يهدأ ولا ينام وسعودي واحدٌ ينام في سجنٍ ببلدٍ غريب.. ويبذل ما فوق الطاقةِ العادية حتى يُخرج السعوديَّ السجينَ ويعيده لبلدِه، وليتلقى عقوبتـَه هناك في وطنِهِ ومن حكومتِه.. والسيد «الرقابي» صنع تاريخاً لامعاً لا ينساه من عرفه ومن سمِعَ عنه لأنه تخطى النصّ الحرفي، وعرف معنى النظام ومغزاه وطفت على كل ذلك روحٌ شجاعةٌ وشهمة من أجل إكمال المهمةِ بطولياً.

والدكتور «خالد السلطان» مدير عام جامعة الملك فهد للبترول والمعادن يتقدم له فتىً عبقريٌ أعمى، وليس في النصِّ النظامي ما يتيح ذلك بله حتى يسمح به. ولن يُلام الدكتورُ «السلطان» لو اعتذر للشابِّ، فكل شيءٍ حرفيٍّ نصيٍّ وحتى منطقيٍّ يكاد أن يصرخ لا. ولكنها البسالةُ في توَهُجِّها، والوطنيةُ في عنفوانِها، والشجاعةُ الإنسانيةُ في تغليفاتِها الباهرة، والإيمانُ بروح العصاميةِ والتصميم، والاقتداءُ بتاريخٍ يقول أن بعضَ البشرِ ينجزون فوق التوقعات، فقـَبـِلَ، بموقفٍ نادرٍ لم نعرف له شبيهاً، الشابَّ الكفيفَ العبقري.. وسيصبح هذا الشابُ الذي اسمه «مهند بودية»، بإذن الله، أول مهندس فضاءٍ كفيفٍ في العالم.. وسيسألُ العالمُ حينها: «طيب والفضلُ لمن؟»

ومسئوليةُ الصداقةِ والزمالةِ الجامعية لا تُساءَل أبداً إن لم يُقبل واحدٌ من الأصدقاء في جامعته مهما كان عبقرياً، خصوصاً لما تكون هناك ظروفٌ أكاديمية تبرّرُ سببَ عدم قبول التلميذ الزميل.. إلا أن الأصدقاءَ بقوةِ مسئوليةِ الضميرِ المتعديّةِ الوثـّابة، ذهبوا جماعةً بتلك الجسارةِ الضميريةِ، وقابلوا المسئولَ الأولَ في تلك الجامعة مُزْجين الأسبابَ والتبريراتِ والتعهداتِ لقبول زميلهم المتفوّق الذي تقف أنظمة الجامعة ابتداءً ضد إعادة قبوله.. أتعرفون بمَ أجاب ذاك المسئولُ، قال: «كل ما أعرف الآن أنكم أدخلتم على قلبي دفئاً حفّزَني لا لقطع الوعد بالقبول، ولكن قطع الوعدِ بتحري وسائل القبول.» وهنا صنعَ الزملاءُ والمسئولُ تاريخاً تشعّ نجمتـُه بين أروقةِ الجامعة.

أعطونا مسئوليةَ الضميرِ قبل مسئوليةِ النصّ.. وترقّبوا كيف ستكونُ هذه الأمّة.