السياسيون

سنة النشر : 14/11/2009 الصحيفة : اليوم

 

هناك قصة تحكى عن دهاء المحامين وعن الرضا الوقتي لمن يتعامل معهم ففي ادبيات الغرب يظهر المحامي حليفا لشيء واحد استغلال نصوص القانون بعيدا عن الاخلاقيات والمبادئ بحثا عن الفوز والمصلحة.

انطلق كلب محام من رباطه وراح يجري الى محل جزار ثم نهش قطعة لحم وانطلق بعيدا قبل ان ينتبه الجزار راح الجزار لمكتب المحامي فسأله: يا سيدي المحامي عندما يقوم كلب بسرقة نصف كيلو لحم فهل يتوجب قانونا ان يدفع صاحبه قيمة اللحم المسروق؟ المحامي: بلا شك! إذن ناولني عشرة دولارات فقد كان كلبك الذي سرق اللحمة.

وبدون ادنى تردد أخذ المحامي دفتر شيكاته وحرر في الحال شيكا بقيمة عشرة دولارات وناوله للجزار الذي خرج من مكتب المحامي مغتبطا راضيا. ولكن بعد يومين يستلم الجزار بالبريد فاتورة ممهورة بتوقيع المحامي يطالبه بمبلغ مائة دولار.. قيمة الاستشارة القانونية! هه..

هذا ما يجري بعالم السياسة عندما تحاول دولة ان تقدم نصيحة او دعما مقدما لأي دولة اخرى او ان تدعم عصبة داخل دولة اخرى بدعوى الوقوف معها والدفاع عن حقوقها فالشيك المقدم المدفوع او النصيحة التي تأتي في البداية او أي وسيلة دعم سيكون ثمنها باهظا عندما يحين الدفع من الجهة الأخرى ولن تكون القيمة مبالغ باهظة. بل الذي سيدفع لا يقدر بثمن استقلال الوطن وضياع حرية وكرامة الشعب وهذا خطأ يرتكب من زمن قديم لمن يطلع ويقرأ في لعبة السياسة.

على انه يثبت كل يوم ان التاريخ كتاب مفتوح باحداث معادة ومكررة. ولكن السياسيين الهواة بالذات لا يقرؤون يظن هذا النوع من الساسة مثل الجزار تماما بعد اول اتفاقات سرية او ظاهرة انهم كسبوا الحلم فيخرجون راضين ومغتبطين ولكن الى حين.. وفي انحدار الدولة العباسية العظمى اعظم فصول يعلمها التاريخ لكل ذي عقل عندما كثر المحامون وكثر الجزارون فانطلقت الكلاب وصارت الدولة العباسية في نهاياتها دولا جوفاء تدار بأياد اخرى قدمت لها في البداية الوعود والنصائح ثم التهمتها كما تلتهم العقبان بقايا الرمم. السياسيون قلنا.. وقد يأتي سائل ويقول: السياسيون يديرون الدول ولكن الجماعات التي تنشأ او تنشق هي تطلب حقوقا. ومسألة الحقوق قد تكون حقيقة وقد لا تكون ولكن من يقفز لقيادة هذه المطالب والجماعات هم بعقليات سياسية خالصة.

والا لن يتقدموا لأول الصفوف فصفة السياسي الهاوي اللصيقة ان يكون في الأمام وليكن ما يكون ولكن السياسة دهاء وخبرة وقوة واستغلال للظروف. كما المحامين المتمرسين مع النصوص فيكون ضحاياهم الساسة الهواة الذين يجرون وراء الشيكات الأولية والأحلام الخلابة والوعود التي تخلب ألبابهم وتنام وتقوم معهم ليس من اجل مصلحة جماعتهم وأمتهم.. انما لإشباع رغبة مفجوعة مثل بالوعة شهوات لا تمتلئ وهي رغبة التسلط والسلطة أقوى الشهوات على الاطلاق ثم سيدفعون الثمن غاليا لما يأتي دور الدفع من طرفهم.

وأولئك الساسة الهواة قد ينجون احيانا لأنهم مثل فئران السفن اول من يهرب من السفينة الغارقة ويتركون السفينة وما فيها للغرق.. وخذ دولا تعطي اللجوء لهذا النوع من الساسة والحماية لأموالهم وستجدهم يعيشون أباطرة ويخلفون لجماعاتهم ومناطقهم الخراب والفقر والتأخر الذي لا تصلحه عقود من الأزمان.. من يرسل صفحة من التاريخ لجنوب الجزيرة.. الآن.