التاريخُ ينضج العقل

سنة النشر : 21/11/2009 الصحيفة : اليوم

 

.. لما راقبتُ مع من راقـَبَ تلك الفورات القوية التي صارت بين شعبَيْ مصرَ والجزائر، والتهاب الحالةِ الإعلامية بعد لقائـَيْ منتخبَيْ البلدين لقطف بطاقة التأهل لمنافسة كأس العالم في جنوب أفريقيا، ضمرتُ في داخلي أن الأجيالَ لم تعد تدرس التاريخ.. بل إن تعليمنا العربي العام وثقافتنا العامة تمجّ التاريخ، لأنها تفهمه سالباً شادا إلى الماضي، ولا تتفهمه كأكبر عاملٍ لتربية الشعوب.

نعم، التربية بالتاريخ. دعونا نستعرض الرأيَ أولاً: التاريخُ بمفهومه الصحيح ذخيرة أمجادٍ وذكرياتٍ وهفـَواتٍ وعظاتٍ قوميةٍ مشتركة، وسجل بطولاتٍ لوّنتْ ذاك الزمان بالأمجادِ، وسِجـِلّ مِحَنٍ وهزائم ومؤامراتٍ وأحقاد، وتخليد لمعارك دارتْ في رحاب الأمة، وتاريخ شهداء، وتاريخ عظماء، وتاريخ مجرمين ومتجبّرين عتاة.

لو قُدِّرَ لأجيالنا، ولنا كثقافةٍ أصل، دراسة التاريخ العربي بإطلاع وتأملٍ واعتبار، سواء كان منيراً مشرقاً، أو معتماً قاتم الأحداث، فأنتج في كل حالةٍ نتائج من خيرٍ أو شرٍّ، واستعدناهُ بروح ٍ علميةٍ وقـَرَنـّا النتائجَ بالأسبابِ فستكون لنا مكتبة تربوية مرجعية في تربية الجيل من أجل أمّةٍ أفضل، ومعرفة للفرد باستمرار تدفق نهر وجود أمته ووجوده وارتباطه بأمته وارتباطه بشعوبها وبالناس اللصِّيقين به. أول من رأى العلاقة الوثيقة بين التاريخ والتربية فيما وردَنا المؤرخ اليوناني «ثيوسيدس».

إنه دوّن تاريخ حوادث الحروب التي نشبت بين «أسبرطة» و»أثينا» التي امتدّتْ حتى 411 ق.م، ولم تكن غايته تدوينية صرفة ـ كما فعل مواطنه الأشهر «هيرودوتس» المسمى بأبي التاريخ ـ إنما كان هدفُه تعليميا، موقنا أن ماضي الحياة بصورهِ المتبادلة والمتعاقبة خير «مدرسةٍ سياسيةٍ» للحضارة، لذا يحق اعتبار «ثيوسيدس» معلّماً ومربياً بالتاريخ.

ومن يفهم ولـَع الأمريكان بالتاريخ (مع خلوِّ أمتهم المهاجرة من تأريخٍ تليد) سيعرف أن هذا التأريخ الذي يحتفي به الأمريكانُ إنما هو عَصَبُ وطنيتهم، بل إن بعضهم بسبب تعصبِّه التاريخي نمت عندهم الشوفينية الأمريكية. فالأمريكان منذ القرن التاسع عشر ركزوا على أن تكون مادة التاريخ مادة للتربية لإذكاء الروح الوطنية، والانتماء القومي .. لدولةٍ نشأتْ من أناس من عدة أوطان، مع اختلاف الأقوام.

و»ابن خلدون» لطالما اعتبرته، كلما أعدْتُ قراءة مقدمته المشهورة، معلـِّما بالتأريخ صنوا (أو أكثر) من صفته كمراقبٍ اجتماعي فذ، يقول :» التاريخُ شريفٌ للغاية يوقفنا على أحوال الماضين ... حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك .» والاقتداءُ من ألمع عناصر التربية ووسائلها، وإمامُنا ومعلمُنا الشافعي يقول : «التاريخُ ينضج العقل». التأريخ ليس دعوة للتعصب الضيّق، ولا للعودة للوراء، لكنه انطلاق الفكرِ والتأمّلِ والعِبرةِ في الأجواء الرحبة، والسعة الإنسانية، والحكمة العامة.

عندما كانت الجزائرُ تحت نيْر الاستعمار الفرنسي، كانت مصرَ أكبر داعمةٍ لها منذ الأربعينيات، واستضافت مصرَ حركاتِ التحرير الجزائرية في أراضيها، وارتقت على منصّات إعلامِها، وحين تحررت الجزائر من ربقة الاستعمار كانت مواكب التعريب تتقاطر على الجزائر من مصر وإلا لكانت ثقافتها فرنسية خالصة، وعندما يُرْفَع النشيدُ القومي الجزائري الذي أُلـِّفَ من عدةِ عقودٍ، فإن واضع الكلمات شاعرٌ جزائري، وملحن وموزع الموسيقى فنانٌ مصري.. لكن الأجيالَ لا تقرأ التأريخ .. ولا حتى القريب، وهو أمر لا نلوم فيه الأجيالَ، لكن نلوم خسارتنا لتوظيف التاريخ كعاملٍ تربوي لإذكاء الإخوّةِ الوطنية والعربية بل الإسلامية.

هذا المقالُ ليس إنصافاً للتاريخ، بل إنصافاً لحقّنا أن نتعلم من التاريخ.