حربُ الحدودِ

سنة النشر : 31/12/2009 الصحيفة : اليوم

 

.. استقبالُ سنةٍ جديدةٍ أمرٌ مثير. كأن الزمنَ أرسل مرسولا جديدا يحمل لنا المفاجآت. والحقيقة لا مفاجآت، هي أمورٌ نصنعها نحن بأيادينا، بإرادتنا. الزمنُ تيارٌ غير مرئي، تجعله الأحداثُ ملوَّناً فيُرى.. نحن الذين نصنع سنة ناجحة أو سنة سيئة.

حتى بما يُقدَّرُ من حوادثِ الطبيعة التي لا حيلة لنا بحدوثها، لنا حيلة بالتوقع لها، حيلة بالتصدي لها، حيلة بالتقليل من عواقبها.. الزمنُ الجديدُ عبارة عن حوضٍ جديد نملأه نحن بأحداثٍ جديدة.. وهو سيمتلئ بأي حال، إن نحنُ تحكمنا بالمادة المملوءة طفونا فوقه، وإن امتلأ بفعل عوامل الامتلاء الحتمية بلا تدخّلٍ منا، فقد نغرق.. ولا لوم على السنة الجديدة ولا فضل.

اللومُ علينا إن قصرنا، والفضل لنا إن أنجزنا. في السنة الماضية البعضُ لاقى الراحة والرخاءَ كلّ الوقت، والبعضُ لاقى الشقاءَ والعناءَ والحاجة كلّ الوقت، والبعض بينَ بين، لا هو في حاجةٍ فيستحقّ الإحسان، ولا هو غنيٌ قيقدر على وهب الإحسان.. والبعض يذوق من هذا، كما ذاق من ذاك. على أن المهم أن نستفيد من هذه التناقضات، وهذه الظروف، لنساعد بعضنا بعضا، حتى لا تدور الدائرةُ على الغني، ولا يصعد الفقير فيثأر مِن مَن كان يوماً غنيا.

لم تمر السنة الماضية ونحن في أحسن الأحوال، ولكننا بدأنا الوقوف الجاد لنبحث عن طرقٍ أحسن للأحوال.. على أننا ما زلنا مثل طفلٍ يخطو ليقع.. مرّ العامُ الماضي بإنجازاتٍ، ومرّ بإخفاقات من صنع إرادة الناس، من تقصيرنا، من عدم مبالاتنا، من قلة ارتباطنا بالترابِ الذي نسير عليه، من الفسادِ الذي ضربَ النخاع، والذي كان المجرمَ الأولَ للعام المنصرم، وكان الثمنُ قد فاق أعتى كوابيسنا دفعناه بموت الأنفس، وبانجراف الأملاك والناس من الطوفان للبحر. ولعلنا الآن نخطو خطى بسيطة في إصلاح أوضاع بعد أن خرّبتْ أوضاع، وليس بالإمكان إنقاذ ما مضى، ولكن يمكننا إنقاذ ما هو آت.

نحن، كقدراتٍ، كخبراتٍ، كمصادرِ ثرواتٍ، لنا أن نجعل أمَّتـَنا أفضل لو استغللنا المواردَ بلا قطرةٍ ضياع.. ومثبتٌ أننا صرنا نملكُ كل تلك القدرات، ولكننا لم نطبقها حتى الآن، أو لم نطبقها كما يجب. وفي السنة القادمةِ لا عذر لنا ليس إن لم نمشِ للأمام، ولكن إن لم نقفز قفزا للأمام بعد ما حدَث لنا. علينا ألا نتوقع ما يحمله عامٌ قادمٌ جديد، بل ما سنفعله نحن في العام الجديد، فالزمنُ مليءٌ بالفرصِ، وكانت الفرصُ تمرّ أمامنا فلا نمد ايادينا لالتقاطها، بل في أحايين نركلها كلما اقتربت حولنا.. الفرص ستأتي كما أتتْ من قبل، وفي هذه السنة لا عذرَ لنا إن لم نقتنصها ونضيفها لحسابِ الأمة، وشعبِ هذه الأمة.

تذمر الناسُ في العام الماضي أكثر مما رضوا في داخل قلوبهم، وعانوا أكثر مما تمتّعوا، تأخرٌ بالخدمات، طوفان قاتلٌ بجدة واشتعلت حربُ الحدودِ في الجنوب، فبدأت مآسي موت الجنود، وهول فقدان الآباء والأزواج والأبناء.. دقاتُ ساعة منبّه الزمن تعلن الاستيقاظَ على الواقع والتعامل مع معطياتِهِ لنقدم خدمةً صحيةً أفضل، ونعدّ تعليما وتدريباً أفضل، وتجهيزاتٍ تحتية أفضل.. ونوايا أفضل!