الكساد الكبير

سنة النشر : 14/01/2010 الصحيفة : اليوم

 

.. أرجو أن لا يستغربَ معالي أمين حاضرة الدمام إن طلبتُ منه أن يعقد اجتماعاً مطبخياً. وقبل أن يُفرط في الاستغراب، أو تعتقدوا أن عقلي خالطه لٌطفٌ، وخللٌ في التوازن الفكري من هذه المتاهةِ التي ندور بها وسط مدينة الدمام فلا نصل إلا إلى متاهة أخرى، وصارت مدينتنا لغزاً متاهياً من يجد منفذ الخروج فله جائزة.. والجائزة خريطة مؤقتة للوصول إلى أهم مراكز المدينة، ولكن الخارطة ستبقى مؤقته، لأنها قابلة للحفر والسد بأي لحظة.. سأخبركم بكل الحكاية.

من يقرأ التاريخَ الأمريكي القريب يعرف أن الرئيسَ «روزِفِلـْت» كان لتوّه بدأ فترته الرئاسية في ذروة الكساد الكبير الذي ضرب أمريكا من عام 1929 إلى عام 1933م.. حين خرج نصفُ الشعب الأمريكي يبحث عن الطعام في صفوف المعوزين.. وكانت الأمة الأمريكية على جرف انهيار نهائي، ومتعطشة إلى إنقاذ اقتصادي فوري قبل الشهقة الأخيرة. وأعدّ «روزفلت» خطة إنقاذ مع أنبه المستشارين الذين ساهموا فعلا في رفع العملاق الساقط ليقف على قدميه مرة أخرى.

يقول المؤرخون لم يكن «روزفلت» يدعو مجلسَهُ الوزاري إلا نادرا، وإنما يدعو لاجتماعاتٍ غير دوريةٍ وغير مجدولةٍ وغير رسمية، أما المجتمعون فهم من الشباب في الإدارة خارج المجلس الوزاري (أو ما يسميه الأمريكيون «الكابـِنـِتْ») ولكنهم لامعون، جديدون، لا حسابات مسبقة لديهم مع أحد، لا تجارب إدارية مصلحية وتحالفات في ما مضى، محايدون، في حماستهم الأولى، وفي ولائهم الأول لوطنهم وشعبهم.. في ذروة الطاقة العقلية المُسَخَّرَة تماما لهدف إنقاذ الأمة، وإعادة المسار الاقتصادي، بلا أجندةٍ خفية، ولا نوايا مصلحية خادمة.. لم تلوثهم الرتابة، ولا العلاقات، ولا التجمد، ولا التيبّس، ولا التردّد، يملؤهم الإقدامُ، والفورةُ العمَلية، وولع البحث عن الحلول، وارتياد آفاقٍ جديدة لعصر جديد.. كانوا يجتمعون، كما تخبرنا «المسز روزفلت» في مذكراتها، في المطبخ.

ولأنهم شبابٌ كانت تتضايق ولكن بغبطة ومحبة للشباب الخبراء وهم يتجولون في مطبخها بين الثلاجة والرفوف لإعداد ساندويتشات كلما عنّ لأحدهم أن يقوم من كرسيه ويأخذ قضمة من شطيرة زبدة الفول السوداني.. ولما تكررت هذه الجلساتُ أطلق عليها «مجلس المطبخ.. «كيتشن كابينت»!

ونجحوا في إنقاذ أعظم اقتصادٍ في التاريخ، ونهضت أمريكا عملاقة، لتدخل مرحلة ثراءٍ أسطوري جعلها تفوز بالحربِ الثانية من عظم إنتاجها ووفرة محاصيلها، وسيولة أموالِها، وأعادت بناء كامل القارة الأوروبية بمشروع «مارشال» الذي ما زال عالقا بأذهان الأوروبيين.

لا بأس أن يعقد الأمينُ، بل كل مسئولٍ عام، اجتماعاتٍ مطبخية، غير رسمية، غير مجدولة، غير ملزمة حتى مع العقول الشابة المحايدة، العقول التي تتلهف لعطاء، ولم تعرف بعد السباق نحو الاستحواذ.. عقولٌ في طاقتها الأولى، في صفائها الأول، في حبها المنقطع، بل هي تبحث عن دورها بالمشاركة..

والذي أعِدُه لمعالي الأمين، ولكل مسئول، أنه سيندهش كمن عثر على كنزٍ مطمور.. له وحده.. أفكاراً، وآراءً، ورؤىٍ، وزوايا لم يطلّ بها أحدٌ من قبل.. وسيخرج من المطبخ شبعان من آراءٍ خارج أل.. كبـِنـِتْ! ربما، من يعلم؟، سيكتب التاريخ أن اجتماعات مطبخية ببادرةٍ من مسئول متحمّس أنقذت مدينة من متاهاتها.. لتصير تحفة هندسية!