سنة النشر : 26/08/2010 الصحيفة : اليوم
.. راجت في الانترنت رسالة خطيرة جداً، وأستغرب إن لم تنتبه دوائر العمل التجاري لعواقبها التي تمس أهم أصل غير مرئي في قائمة أصول أي منشأة تجارية وهي: السمعة.
السمعة ليست فقط قوام قياس أهمية الفرد أمام الجماعة، بل حتى المنشآت بحاجةٍ ماسّةٍ وربما أكثر من الأفراد الطبيعيين للسمعة، فالسمعة هي التي تفتح لهم الأسواقَ، وتعزز موثوقيتهم أمام الشركاء المحليين والخارجيين، وعند بيوت المال، والمصارف، وأن أي هزّةٍ تمس السمعة التجارية هي مثل شرخ في كريستال ثمين، لا يمكن إعادته كما كان.
والرسالة نسبت لعائلة القصيبي، وأستبعد تماماً أن تقوم هذه العائلة ذات السمعة التجارية الضاربة الجذور في المملكة وخاصة في منطقتنا الشرقية باللجوء لنشر رسالة فضائحية في الانترنت يلتقطها كل من في الأرض..
والرسالة تصب غضبها على المصارف السعودية بالذات، وأنها خائنة وتطعن بالظهر، ولا يؤمَن لها، ولم يُسْتـَثن أي مصرف على الإطلاق، شـُبـِّهوا بشايلوك شكسبير في تاجر البندقية يقطعون اللحم طازجا حيا مقابل القروض التي يشم البنك أنها ستعتصي..
على أن هذا أيضا ليس بيت القصيد، أو هي ليست الشوكة المسمومة التي تناثر عقارُها الناقع، وذلك لما تطرق مُنشئ الرسالة إلى أهم البيوتات التجارية بالمنطقة، وأعرقها، وأقواها سمعة، وإلى بعض رجال الأعمال النابهين وجعلتهم يبدون وكأنهم منهارون ماليا، أو على وشك الانهيار.. والرسالة تظهر في السطح وكأنها تتظلم من أجل تلك البيوتات الراسخة، ورجال أعمال في المنطقة.. ولكنها في سبيل ذلك سلختهم وشوتهم على سفود السمعة السالبة حيث أظهرتهم بأنهم أمبراطوريات ورق تعتمد بالكامل على قروض البنوك الربوية.. وأن البنوك كشّرت عن أنيابِها، وسلخت لحمهم مع فائدة مضاعفة بلا إنذار، وكأنك تقرأ سوداويات كافكا، أو إدغار ألن بو.. وحوش دراكيولية تمص الدمَ حتى النهاية. والرسالة تبين أيضا، وكأن منشئها على علم بأسرار وعلاقات البيوت التجارية، فتصور معاركَ داحِسيـّةً تدور بين شركاء عريقين، وتتعرض لشخصيات عامة كبيرة..
وخطر هذه الرسالة لا يقتصر على الأسماء التي وردت، بل سيتعداها إلى كامل الاقتصاد، فهناك ترجمة إنجليزية وصلتني أيضا، وكأن هناك إصرارا على كشف بيئةٍ تجاريةٍ هشـّةٍ ومتهاويةٍ في المنطقة، هذا سيمسّ كاملَ الأداء الاقتصادي بها، وربما يتعداها لكامل البلاد، فالسوق التجارية والمالية سوق هشة مبنية قبل أي قوانين اقتصادية على رد الفعل النفسي، وهو رد فعل يبدأ بحجم كرة تنس الطاولة ثم يتفجر حجما إلى كرة ثلجية تلتهم ما في الطريق..
لذا فإن الاقتصاد في هذا العقد يركز على الأنثربولوجيا وعلم النفس والاجتماع وحتى الثيولوجي ( علم الأديان) في فهم سلوكيات السوق، أو القطاعات البشرية المستهلكة للخدمات والمنتجات والسلع.. لأن الإشاعة السلبية رصاصة في الرأس، حتى وإن نجا المصابُ منها، فإن قدرته الدماغية تفقد حصة عظمى من قدرتها السابقة.
وسنستغرب إن لم تقم الغرفة التجارية قبل أي هيئة أخرى بالتصدي لهذه الرسالة التي تدور كالزوبعة في الانترنت وفي أسرع وقت، مع تروٍّ في ذكر الحقيقة، فالناس لم يعد ينطلي عليهم النفي الساذج، والقوالب المكررة.. إن وظيفة الغرفة هي إنقاذ سمعة منسوبيها، بل وسمعتها هي.
ولابد أن يقوم كبارُ عائلة القصيبي بتوضيح وتأكيد نأيهم وانعدام دورهم في تلك الرسالة لأني أكاد أجزم بما نعرفه عنهم وما يفرضه المنطق والعقلانية أن هذا لا يمكن أن تقوم به العائلة التي بنت أكبر سمعةٍ عبر العقود بالعرق والعمل الطويل.. وإلا.. فإن الشرخ، سيتعرّق حتى يهشم كاملَ الكريستال!