جَمْرةٌ وجَمْرةٌ و.. زهْرَة!

سنة النشر : 31/05/2010 الصحيفة : الاقتصادية


“أُهدي هذا المقالَ إلى كل عاملةٍ اجتماعيةٍ وكل عاملٍ اجتماعي بمستشفياتنا”.

أتوجه لوزارة الصحة ولمديري المستشفيات لإيجاد نوع من التنظيم أو الاتحاد الداخلي للعاملين الاجتماعيين لتفعيل أدوارهم الإنسانية والنفسية مع المرضى سواء الداخليين أو الخارجيين، لأني أعتقدُ أن أهمية المِهَن الاجتماعية داخل المستشفيات توازي أهمية العلاج ذاته للمرضى، وأن تناقشُ داخل هذه الهيئاتِ الداخلية أوضاعُ هؤلاء العاملين والعاملات وطلباتهم واقتراحاتهم، حتى يمكننا بعد ذاك نقاش مسؤولياتهم معهم، وأن يلتقوا دورياً مع المهتمين الاجتماعيين في نهر المجتمع العريض..

وسأترككم مع مشاهدٍ ثلاثة لا أنساها، شهدتها بنفسي وأحدها نقل إلي مِنْ مَنْ أثقُ بنقلها، ولو نسيتُ الأولَ، لو نسيتُ الثاني، فكيف أنسى الثالث؟ أو أن الثالثَ نحَتَ الأثرَ للأولِ والثاني عميقاً في ذاكرتي، وفي ضميري.وتأملوا بعد ذلك في الحلول:

* المشهدُ الأول: لي صديقٌ عربيٌ زاملني في العمل، ثم غادر إلى بلده. قبل شهر تسلمت مكالمة هاتفية من شخص بذاك البلد العربي، وليكن اسمه “عادل” ليخبرني أن صديقي وليكن اسمه “مجدي” هو أخوه، ويعاني مرضا عُضالا وأنه يرغب في أن يراني. وبالتو، هاتفت الخطوطَ وحجزت لعاصمة بلاده.. استقبلني “عادل” في المطار، وأخذني مباشرة إلى المستشفى الكبير حيث يرقد أخوه المريض.. لن أخبركم كيف كان المستشفى كابوسا من القذارةِ وسوء التنظيم اللاسع للقلب.. فأكثر ما يهمني هو الحالة الإنسانية في أي مستشفى، وأقصد بها أهم عناصر الاستشفاء على الإطلاق، وهي علاقة الكادرِ الطبي مع المريض، ومدى قلة أو نجاعة هذا الاتصال.. مشيتُ يتقدمني عادل إلى عنبرٍ كبيرٍ صُفّتْ به عشراتُ الأسرّة، وتدور به أشباحُ المرضِ ثقيلةً حاضرةً، وكأن يقودها حاصدُ الموتِ مع منجله. صدمتني من اللحظة قلة قيمة المريض.. بل إن المريضَ يُنظر إليه وكأنه حشرة وجدت طريقـَها تطفـُلا إلى السرير. حشرة؟ دعني صامتاً، حتى لا أقول لك عن مملكةِ الحشرات هناك.. وصلنا إلى سرير “مجدي” المتداعي الصدئ، تغطيه أسملةٌ ضاع لونـُها من أحقاب. مجدي لم أعرفه، صار هيكلا خاويا، لم يع جيدا حضورنا.. وكان ينادي على الممرضة لتأخذه ليقضي حاجته، ولم تستجبْ، ولما صرخ يناديها، حضرتْ وزجَرَته زجراً عنيفاً، ولم تكتفِ، بل نادتْ ممرضاً فحلاً عريضاً، وأقبل مشتعلا يكاد ينهال بيده المطرقية على المريض. أمّا مجدي المسكين فاستسلمَتْ مثانتـُه وسالَ ما بها على الفراش، ولما رأته الممرضة كادت تغتاله بيديها..

المشهد الثاني: مكالمةٌ هاتفية: - أنا فلانة.. تعرفني جيدا، وصديقة للعائلة، أنقل لك ما رأيته في مستشفى حكومي بالدمام.. ونحن جلوس في غرفة الانتظار، وإذا عاملة تدفع سيدة بكرسيٍ مُدَوْلب طاعنة بالسن ومريضة جدا، ووضعتها بيننا وأخذت هي كرسياً للانتظار، ثم إن المرأة الكبيرة سألت العاملةَ أن تقضي حاجتها، فإذا العاملةُ تهب كزوبعةٍ بركانيةٍ وتكيل الشتائمَ للعجوز، وتأمرها بالسكوت.. ثم إن المرأة بدأت تصرخ لأنها.. قضت حاجتها على نفسها(!) لتأخذها العاملة باندفاع أخرق وتجعل الكرسي عامدة يصطدم بالجدار، مما جعلنا كلنا نهب وندافع عن العجوز، إلا أن العاملة انطلقتْ لا تلوي وهي تسابق بالكرسي.. والذي قهرَنا أنه أليس لهذه المرأة الكبيرة من والِ؟ ألا ولد؟ ألا بنت؟ ثم لمَ يجرِ هذا في المستشفى والعاملون لا يحركون ساكنا؟ أين الإنسانية والعطف والرحمة؟ وعندي لك الشهود، وأضع قهري على مسؤوليتك لتفعل شيئاً، ليس لي بل لتك العجوز.. ثم شهيقٌ وبكاء.

المشهد الثالث: .. أنا في مستشفى الملك فهد بالدمام، في الانتظار في غرفة الرجال، وأسمع صراخَ رجلٍ في الردهةِ يريدُ حماما ليقضي حاجته، ويبكي رغم عمره الكبير: “يا ربي لا تخجلني أمام الناس، أريد الحمام”. وصل صاحبُ الصوتِ وإذا هو مريضٌ كبيرُ السنِّ من المرضى المنوَّمين، تدفعه ممرضةٌ سعوديةٌ شابةٌ على كرسيٍ ويبدو أنها بالغة الخجل، وواضحٌ أنها حارت مع مريضها.. فهي لا تستطيع أن تأخذه إلى دورةِ مياه غرفة انتظار النساء، ومحرجة جدا أن تمرّ بين الرجال لتأخذه إلى دورةِ مياه الرجال.. ولما اشتد صراخَه، عزِمَتْ بلا ترددِّ ودخلت بهِ بيننا، وفتحت بابَ دورة المياه ليحاول المريضَ أن يقضي حاجته، ولكن تأخر الوقتُ.. وتأوّه خجلا، فدفعته البنتُ قائلة: وصلنا يا عمي، وأخذت بسرعة الشرشف المبلل من تحته وأخفـَتـْه.. ثم وقفت وكأنها تريد أن تقول لنا إنها يجب أن تدخل دورة المياه كي تتفقـّد مريضـَها، لتطلب منا ألا يدخل أحد. لم تستطع أن تنطق، ولكننا فهمنا.. فدخلت لتغيّر له ثم أخرجته نظيفاً برداءٍ جديد، وهي تطمئنه أن كلَّ شيءٍ مرّ على ما يُرام.. ودفعت الكرسي إلى الردهة واختفت مع مريضها.. كما اختفى صوتُ الصراخ!

مشاهدٌ: اثنان أوقدا بالقلبِ جمرة، والآخرُ غرس في القلبِ زهرة!