سنة النشر : 04/06/2014 الصحيفة : اليوم
هل ستنشب حروبُ المياه؟ عندما يكتمل سدّ النهضة العظيم في أثيوبيا سيكون أكبر مشروع طاقة نظيفة مائية في القارة الأفريقية، مولّدا 6000 ميجاواط لمنطقة تجوع عطشا حتى الموت في بعض جهاتها. على أنه إن انتهى البناء فعلا فسيكون أداة خلاف تصل للاشتعال بين مصر وأثيوبيا حول مدى الضخ المائي من النهر، وستقع مصر في قبضة أثيوبيا في أهم وأثمن ما تملك على الإطلاق؛ نهر النيل. وهناك قلق حقيقي أن تفلت هذه الخلافات من عقالها مشعلة حرب مياه بين مصر وأثيوبيا..
"آه طبعاً إلا مَيّة النيل ما حدش يمسّها"، هذه هي الرسالة الواضحة التي تتلقاها أديس ابابا من القاهرة.يعتقد الكثيرون ويبالغون في التشاؤم بأن الحرب القادمة هي حرب المياه. ولا أظن ذلك سيحدث، لأنه لم تقم اي حرب مياه بين بلدين أبدا منذ 4500 سنةكثير من البيئيين والسياسيين يجزمون أن حرباً قادمة لا محالة حول مياه النيل. هل هذا صحيح؟ أظن نعم إن تحكمت الدولُ العشر التي يمر بها النيل كل بالجزء الذي يمر بها، فمعناه خراب بيئي وسياسي وعطش عام في مصر بالذات.. لذا لن يسمح المصريون بسحب المياه الحلوة من أفواههم. ومن وجهة نظرٍ يقف معها التاريخ المسجل للإنسان، فإنه لم تقم حرب على الإطلاق بين أمتين أو دولتين بسبب المياه. وربما أنها تعطي آمالا وفرصا أكبر للسلام. كيف؟ يعتقد الكثيرون ويبالغون في التشاؤم بأن الحرب القادمة هي حرب المياه.
ولا أظن ذلك سيحدث، لأنه لم تقم اي حرب مياه بين بلدين أبدا منذ 4500 سنة. بل انظر الى الباكستان والهند لم يقم بينهما خلاف أو حرب أبدا حول النهر الذي يمر بالدولتين، بينما قامت بينهما عدة حروب منذ انفصلت باكستان الغربية وباكستان الشرقية (بنغلادش) عن باقي الأمة الهندية. بل حتى إن الاعتراك الفلسطيني الصهيوني لم تقم أي منها بسبب المياه، السور؟ نعم. التوطين؟ نعم. الحصار؟ نعم. ولكن ليس حول المياه مع أن سرقة إسرائيل من نهر الأردن على عينك يا تاجر.. وحتى الأردن لم تعلن أو تقم بأي معركة مع اسرائيل حول هذه السرقات الفاضحة من النهر والتعدي الصريح على ضفافه.
لماذا ستكون أزمة المياه طريقا للسلام بين الدول؟ إن الماء مسألة حياة أو موت فلا مصلحة تعلو مصلحة الحصول على المياه. فخذ مثلا ان مصرَ والحبشة يعتمدان كليا على النهر، هذه الحقيقة تجعل الأطرافَ يفكرون في طرق التواصل وضم الرؤى؛ لأنه مسموح أن تعبث بأشياء كثيرة إلا مجرى النهر العظيم. الماء هو كل شيء في كل الدول لا يجازف في قطع العلاقات حوله، والخوف من الفشل الحربي الذي سيعقد المسألة الديموبوليتيك في المنطقة.
ولأن المسألة حساسة والعطش أسوأ أنواع الموت البطيء، فسيكون السعي لإيجاد اتفاقيات وتنازلات وتعاون على آفاق أرحب مؤدّية للسلام المبني فوق سطح مياه النهر. ماذا عن عطشنا نحن في بلدان الخليج وقلة المياه؟ بعدين .. أصلاَ ما عندنا نهر!