مبتعثونا: "لاقيني ولا تغدّيني .."

سنة النشر : 25/06/2010 الصحيفة : الاقتصادية

 
حافز الجمعة: وأنت في بلادِك فإن وطنـك يحملك، وأنت خارج بلادك فأنتَ تحمل وطنـك!
 
قضية الجمعة: في العالم كثير من السعوديين، بعضهم عابرون، وبعضهم سائحون، وبعضهم باقون لوقت ثم سيمضون، ويتفاوت هذا الوقت من أيام وأسابيع إلى سنين، على أن أي تصرف أو سلوك لا يأبه لمدة الزمن ولا طول أو قصر انسحابه، فقد يمكث شخص يوماً في مكان فيلوثه في لحظة تصرفاً أو سلوكاً أو سوءَ منطق .. ويمكث آخر سنوات في المكان ذاته فيدخله ناصعاً ويخرج ومعه نصوعه ..
 
وجود ما يقرب من ثمانين ألف طالب وطالبة في الخارج في بلدان عبر القارات، يجعل الأمر موضوعاً استراتيجياً مهما يجب أن يشغلنا منذ أن يغادرون إلى أن يعودوا .. هم مرآتنا الخارجية، وهم فرصتنا الكبرى لإنقاذ سمعة تهاوت، ونعترف؛ من فعلِنا. أو بمبالغات بعضها نشأ من أفعالِنا .. وأرى أن المجموعات الطلابية بإمكانها أن تطهِّر السمعة، أو تعمق جراحَها .. وهنا مسؤولية الطلبة فهم أشخاص بالغون واعون، ومسؤوليات ملحقات الرعايا والثقافة بالتخصيص والسفارات بالعموم، ومسؤولية الجهات الباعثة لهم؛ إما الحكومة أو الشركات أو الأهل ..
 
منذ قدومي إلى القاهرة شغلني وضعُ الطلاب، ورأيت أن الهيكليات القائمة تيبست وتباعدَت وأعيد تحوير مهامّها عن المصبّ الرئيس الذي مهمته ربط الطلاب مع بعضهم، وربطهم عضوياً مع السفارة، الملحقية بالذات .. لأن الأجندات والأغراض الشخصية وتراكم سوء الاتصال والمشاكل الشخصية والشعور المخادع بالمرارة والهجر والهيْمنة قد نخـَرَت في جذع شجرة المجتمع لطلابي .. وبعد نقاشٍ من بارزين منهم، توصلنا لأن نخرج عن الدائرة التي إن استغرقنا بها أغرقتنا، وذلك بإيجاد واقعٍ جديد تُعاد هيكلتُه نظامياً وعمليا وقانونيا ليحقق ارتباط الأولاد والبنات مع أنفسهم ليرتبطوا بشكل صحيح مع السفارة ومع مجتمع مصر الأكاديمي والعمومي .. عرضتُ هذا على السيد ''محمد العقيل'' ملحقنا الثقافي الذي أمضى معي مشكوراً وقتا ثمينا لنخرج بآلية مناسبة، ثم باستعراض آخر عرضناه على صفوةِ من الطلبة، ثم ناقشوه مع الملحق، فخرجت هيئةٌ تطوعية تتبع ''لجمعية العمل التطوعية'' التي تأسست في السعودية لتكون ملحقا لها في القاهرة، فكان نوعاً من الخروج الكامل من واقعٍ شائك، إلى الدخول المتدرج إلى واقع نريده خال من الشوك ويفوحُ بالورود .. وبدأت نواة لمؤسسي هذه المجموعة من الأخت فريال السبيعي ومن الشابين النابهين قتيبة وعبد الله التركستاني، وربما فهيد الفهيد وبندر القويعي، وستكون هذه الجمعية آلية تجريبية في البداية لقياس الأداء لربط جميع المنتمين في نشاطات وفعاليات هدفها رفع المستوى الأكاديمي والإبداعي والتعاملي والأواصر الاجتماعية، وترشيد الإقامة، وتثقيف القادمين الجدد، ومتابعة ما يطرأ من مشاكل فردية من المنبع قبل أن تكبر وتستفحل .. والعناية بالإعلام الذكي والتقني، وسترتبط بتواصل غير هيكلي ولكن بقوة أكبر، هي قبَسُ الانتماء، مع الملحقية. إن نجحت هذه الآلية فربما وجدَت طريقـَها لتُعْتـَمَد من كل مجتمعات المبتـَعثين السعوديين .. تذكّروا، لو نجحَت، فلا تنسَوا أسماءَ الروّاد ..
 
شخصية الأسبوع: ملحقـُنا الثقافي في القاهرة ''محمد عبد العزيز العقيل''، الذي وثـقـت علاقتي ما أمكن معه، فرأيتُ أني انتقدتُ بعض مظاهر حفلَ تخرج كان يعنيه هو شخصياً ولم يحتج، وتكلمت بصراحة معه حول الموضوع ولم يحتج، ثم فاجأني بقوله إن طلب المشورة شيء يؤمن به وعرض أن نعملَ معا .. وصدق الوعد. ثم قابل الطلبة الذين رأينا أنهم نواة تأسيس جمعية الطلبة التطوعية في القاهرة، كما وعَد، وخرجوا منه فرحين لأنه حقق لهم ما وعد فيما يرونه حقا وعدلا للمصلحة العامة ضمن الإمكانات المتاحة .. والسيد ''العقيل'' رجلٌ بسيط الإهاب لا يأسره المظهرُ ولا القالب، وهنا تميّزه، يتحرك بسرعة، ويتكلم بسرعة، وقلبه مفتوح للتعامل مع الآخرين وبسرعة .. قلت له صادقا بحبّه وآملاً بإمكاناته: ''إن سفراءَ لنا في الخارج حُفرت أسماؤهم بذهن كل من رآهم لأعمالهم الجليلة لمواطنيهم، وإني أرى فيك شيئا من ميزاتِهم يا أبا عبد العزيز'' .. وسنرى، فكتابُ التاريخ مفتوح!
 
معظم شكوى العاملين هو تعالي وصعوبة تعامل موظفي الملحقياتِ معهم، وقد يكون هذا إجماعا، وهنا ما يجب أن ينتبه له العاملون بها، فهم ما وجدوا إلا لأن هناك مشاكل، ولا يجب التأفف والتضايق من المشاكل، لأنه بصراحة لولا هذه المشاكل ما وجدوا! وكنت أقول لإخواني في القاهرة ما أروع المثل المصري الذي يقول: ''لاقيني ولا تغدّيني''، أي عاملني معاملة حسنة وكريمة حتى لو لم تعطني شيئا .. أتمنى أن يكون هذا أول مبدأ يأخذ به عاملو الملحقيات.
 
طـَلـَب الجمعةِ: وصلتني عدة رسائل من دارسينا في بريطانيا يشرحون سوءَ أحوالهم عن أثر ما قيل عن تكدّس الجامعات البريطانية، وهو موضوعٌ سيكون له نقاش مفتوح .. ولكن أتدارك هذا مع وزارة التعليم العالي للنظر في إما إعادة النظر وفرز الواقع وبدقة مرة أخرى، أو على الأقل إرجاء التطبيق على من سيتضررون دراسةً ومالاً وارتباطاتٍ ظرفية قوية .. فهذا أيضا مفيد للوزارة وللصرف المالي في النهاية .. والرسائل كثيرة، لو نقلت إحداها لأسهَمَت مباشرة في إيقاظ حسٍّ جديد ..
 
نقاش الجمعة: وتود ''مها سعد المنصور'' التي تحضر للماجستير في ''ليدز''، أن تضع لكم هذا على طاولة النقاش: ''ما أثرُ الابتعاثِ في شخصية الفتاة السعودية؟''. في أمان الله..