سنة النشر : 25/03/2015 الصحيفة : اليوم
النفط صار موضوعا شاغلاً، السعر يتناقص، السياسات غير واضحة، هل هناك بالأفق ما يكشف أن شيئا ما سيحصل ويدفع الأسعار للأعلى؟ هذا موضوع لنفرض أنه كُلِّف به الصحفي "حسّان" ليستطلع رأيَ اقتصاديٍّ به.
هل سيبحث حسان عن خبير حول موضوع بذاته، حيث إن الاقتصاد النفطي له فروع ومداخل ولكل صنعة خبير؟ الذي يحصل عادة: "يالله أكلم إحسان بو حليقة" حيث إن بو حليقة الاسم الظاهر أو الطافي بلا مشقة.
والصحفي الآخر "غسان" يريد أن يكتب تحقيقا عن مؤتمر مصر، وعن توقع الاستثمارات التي وُقّعَت حولها مذكرات تفاهم بالمليارات، يأخذ غسان الهاتف ويقول: "الو، الأستاذ إحسان بو حليقة". لم يحاول الصحفيان لا حسّان ولا غسان أن يبحثا عن اسم جديد، والعقول الاقتصادية في كل مكان، ولا يقول الأستاذ أبو حليقة إنها حكر عليه، بل ربما قال: هناك من هم افضل مني.. ولكنها ظاهرة أسمّيها "الكسل البحثي في العقول".
لقد حضرت ملتقى، وكنت أحد مشاركيه، ووجدت أكثر من اسم يشاركونني تكرارا في ملتقيات وندوات عدة، وكأن البلد العريض لم يعد ينتج عقولا جديدة. بل إني- يعلم الله- صعقت لما دعيت لملتقى بعده بأسابيع، فإذا نفس باقة الأسماء في الملتقى الأول، وبذات المواضيع لكل شخص.. وهنا أيضا صورة ذهنية أخرى، وهي أن كل شخص ترسم له آلية "الكسل البحثي في العقول" حدودا معينة لا يتعداها لأن هذا التصور الذي رسمته مخيلة البحث الكسول، وربما كانت تلك الشخصية يمكن أن تعطي في مجالاتٍ أخرى، ويظهر على الأقل أمام الناس بموضوع غير ما اعتادوا أن يتصوروا عنه. هذه تحتاج وقفة فعلا، خصوصا اننا نتكلم عن ملتقيات مهمة جدا، وتقيمها وتشرف عليها جهاتٌ مهمة، والغرض منها الخروج بتوصيات وأفكار تصب في رفد النهر العام الجاري لتطوير البلاد في أكثر من منحى.
وبتكرار الأسماء عن طريق آلية البحث الكسول، تخسر هذه الملتقيات عقولا ربما أكثر نشاطا ومعرفة و"طزاجة" وحماسة، فقط لأنه كان الأسهل تناول الاسماء الأكثر تداولا. وطبعا الأسماء الأكثر تداولا لا يكون "بعضها" عندها الوقت الكافي لتستزيد في علومها ومجالاتها- وأقصد نفسي بالذات- فيكون العطاء غائب الحماس بائت المذاق. عدة مؤتمرات أو منتديات تقام هذه الأيام، أكاد أخمن الاسماء المشاركة بدون أن أراها أو اقرأ أو أسمع عنها، لأنها بمعظمها هي هذه الأسماء الطافية التي تتنقل من مكان لمكان بنفس المواضيع.. ولا ألقي اللوم علي من يُدعى ولكن ألقي اللوم على من يدعو.
وجدت في الأمس أني مدعوٌ لثلاثة ملتقيات كبار، وكنت قد أعطيت موافقتي عليها مسبقا، ولما وصلتني الأسماء وجدت هذه الظاهرة تقفز مرة أخرى، أسماء متوقعة، ومكررة. نعم كلهم أهل علم وخبرة.. ولكن لا يمكن أن تدور اسماءٌ بعينها، وكأن البلد بجامعاته ومؤسساته جفت من العقول.. بل إني أومن أن دعوة شخص مثلي بتكرار سيُحدث أمرين:
الأول، تناقص مع الزمن والتكرار والجهد والاعتياد على قيمة ما أعطيه.
والثاني، أنه كان بالإمكان أن يأتي عقل جديد أكثر مني معرفة وحماسة وتطلعا وطاقة واطلاعا في تخصصه وصنعته.
وإني قد أجد نفسي آسفا على الاعتذار عن مناسبات بهذا الشكل من الآن وصاعدا.. طبعا إن لم تهزمني رغبات نفسي وأنانيتي.. إن المثلَ الشعبي: «ما في البلد إلا ها الولد»، لم يُقَل عبثا!.