لا، لم نفقد الفرصة بعد ..

سنة النشر : 16/08/2010 الصحيفة : الاقتصادية


لا، لم نفقد الفرصة بعد ..

.. حياةُ الأمَّةِ تتلخص في الآتي: حقائقٌ حدثتْ، وتجارب تحدث، واحتمالاتٌ ستحدث.فقط ..العنصر الأول حدثٌ بحتميةِ ما مضى من التاريخ، والعنصرُ الثاني يحدث بإيقاع ''الآن''.. يبقى إذن أهمُّ العناصرِ التي يعتمد عليها تدرج الأمم في سلم التطور، أو العنصر الأوحد، وهو عنصرُ المستقبل .. أي التخطيط للمستقبل!

والماضي كان قبلُ مستقبلاً، فإن كان الماضي مليئاً بالعثراتِ والسيرِ الأعرج في مسالِك التطور، فمعناه أنه لم يكن هناك استعدادٌ له لمـّا كان في ضمير القادمِ من الأيام .. وكذا، إن كانت أحداثُ وتجاربُ ''الحاضرِ'' باهتة وشاحبة ومتخبطة، فإن ذلك دليلٌ أكيدٌ على قِلـّةِ الإعدادِ، أو سوئه، حينما كان هذا ''الحاضرُ'' في ضميرِ الغيب .. وبالتالي، فإن أمة لا تخطط لمستقبلِها، لا يجب أن تتعجب إن عاشت معاناةً في إدارة شؤونِها وخدمات شعبها, وألاّ تتعجَّب إن كانت تقف على أصابع قدميها لترد كراتِ أفعالٍ تترامى عليها من كل جهةٍ لم تستعد لها في الأصل، فلن يكون هناك تصدًّ مدروس، بل بعثرة الكراتِ ''كيفما اتفق'' حماية لحظية للكيان، ولا يكون هناك توجهٌ ولا هدف، فقط محاولة ''النجاة في اللحظة''، وسلبيات محاولاتِ النجاةِ في اللحظةِ أنها تعقـِّدُ الصعابَ في كل ساعةٍ تدقّ للأمام ..

معرفة ما يجب أن نتوقعه من أحداثٍ وأمورٍ في المستقبل ليست خياراً بل ''وسيلة بقاء'' المجتمعاتِ التي تسري بها التوقعاتُ المنظـَّمة والمدروسة حسب معطيات التاريخ، ومعطياتِ الحاضر، ودراسة التغير الحسابي الرياضي للمستقبل في كل ما يتعلق بنشاطات ومرافق الأمة.

وتكون في أغلبها توقعاتٌ جيدةُ الدراسةِ والتمحيص، وبالنتيجة تكون التوقعاتُ قابلةً للتحقيق، هي مثل أن تذهب لساحةِ مواجهةٍ وأنت كامل الإعدادِ، وتملك توقعاتـك في طريقة تفكير خصمك حتى لا تأخذك خططـُه على حين غرّةٍ .. فتُهزَم! ونقول إن مجتمعاً توقعاتـُه المستقبلية ''قابلة للتحقيق''، هو مجتمعٌ منظـَّمٌ بصرفِ النظر إن كانت التنبؤاتُ المستقبلية تنذرُ بالبشائرِ، أو تحذّر من المفاجآت والمخاطر .. المهم أن تكون مستعدا ومُعـَدّاً في الحالتين، أن تكون جاهزا بأدواتِك لحصدِ ثمار البشائر بحسن استثمارِها وحكمةِ استغلالها، ومتأهِباً للمفاجأة متمترسا ضد المخاطر، مثل من يتوقع احتمالا مستقبلياً لانقطاع الكهرباء، فيجهز مكانـَه بالكاشفات الضوئية أو الشموع، وأن يعرف بالضبط الموقع الذي وضع فيه شموعَه وكشافاتـه حين يعمُّ فجأة الظلام. عندما نكون مجتمعاً بلا ''توقعاتٍ قابلةٍ للتحقيق''.

فنحن كمن يضربُ المفازاتِ بسماءٍ معتمةٍ، ولم يحمل معه خريطةً يستدلّ بها على المسالِك والدروب، كمن يُبحِرُ في عرض اليمِّ الصاخبِ بلا بوصلةٍ حين تنأى السواحلُ وتختفي مناراتُ الإرشاد.

خـُذوا من الأمثالِ ما يُساق عِبـَراً:

- هذه الظاهرة التي تتحول إلى مآسٍ اجتماعيةٍ في عدم استيعاب الجامعات الخريجين والخريجات من الثانويات، والتي تتكرر كل عام من دون حلولٍ مستقبليةٍ استراتيجيةٍ تـُبنى على تزايد الأعداد، وحاجات السوق، وتغيّر نظم التعليم الجامعي، والتوسع في فتح الجامعات حكوميا وأهليا. فظاهرةُ عدم القبول في الجامعات توقدُ غضباً واندحاراً نفسياً عنيفاً لدى أهم مقوِّمات الأمة وأنفـَسها، وهي ''الطاقة الشابة''، متى فقدناها فقدنا اتزان بنيةِ وتربةِ وجذور الأمة. نفهم أنه لن تـُنهى الأزمةُ اليوم ولا في الغد، ولكن يجب وضع خطةٍ طويلةٍ الأجل وقصيرة الأجل، بعد عقدٍ من الزمن سيكون الخريجون والخريجات أضعافاً مضاعفة، ولا بد أن تكون هناك لكلٍّ منهم فرصة اختيار للدراسة الجامعية متى أراد. حتى الآن نحن نعتمد على سياسة ردّ الكرات بالتلقائيةِ العكسية، وليس صدّها وإعادة توجيهها .. بل كثيرا ما يحدث أن الكراتِ تضرب الرؤوسَ فتفتح مزيداً من الجروح!

- ظاهرة الإسكان، والمرافق، وما يبرَّر بعواقبِ الضغط السكاني، وهنا يجب أن نقف متأملين، فكيف لدولة شبة قارةٍ غنية أن تفيض عبئا بما لا يتجاوز العشرين مليوناً، بينما دولة بأرخيبل مساحتها سُبع مساحة المملكة وسكانها يتعدون المئة مليون يعيشون رغـَدا .. إذن هي مسألة وجوب وجود ''التوقعات القابلة للتحقيق'' الآن، وللسنواتِ القادمة. أن نؤخذ بالمفاجآت الإشكالية معادلٌ لغياب الخطة، وليس لتفاقم الظروف.

- الدراساتُ الاجتماعية المستقبلية، لو كانت موجودة مهنيا واحترافيا ومؤسساتيا لما صارت لدينا الآن مظاهرُ البطالةِ والجريمةِ والفقرِ والمذهبيةِ والقبـَلية وفلول التعصب الإرهابي بهذا الصعود.. كان لا بد من توفِّر توقعاتٍ قابلةٍ للتحقيق، أن التغيرات الظرفية والزمنية وتزايد السكان وتعقد الحياة وجلب ملايين العمالة ستحدِث تغييراً صدعياً في المجتمع لتجهـَّز الخططُ وتوضع سُبل الوقايةِ وتكتيكات الحلول لمّا تظهر بوادرُ الصدوع .. إذن علينا البدء لإيجادِ لجنةٍ مستقبليةٍ للتخطيط المجتمعي، تعادل لجنة الأمن القومي، تتفرغ لتوقعات المستقبل ''القابلة للتحقق''.

لا .. لم نتأخر بعد. يمكننا أن نبدأ بجدِّ واحترافٍ ورصدٍ علمي وعملي الآن.

فالمستقبلُ، لحسن الحظ، ما زالَ مستقبلا!