بواباتنا الأولى .. والأخيرة!
سنة النشر : 04/09/2010
الصحيفة : الاقتصادية
قال لي فجأة: صف الموانئ بجملة سريعة؟
قلت: بواباتنا الأولى والأخيرة!
كان واقفا على بوابة الرصيف 18، في ميناء الملك عبد العزيز، صارم الوجه، يتطلع لما وراء البحر، ثم التفت إلي وقال: "أتعرف؟ إنك تعرف ما سيكون في المستقبل، ولكن لا تعلم كيف سيعطله من في المستقبل".
وقتها كنت قد خرجتُ من الموانئ وأصبحتُ له تلميذا وصديقا. كنت شابا صغيرا لتوي تخرجتُ في الجامعة، ولم ألتحق بعمل العائلة مع الوالد وإخوتي؛ لأن الوالدة أشارت إلي بالعمل الحكومي. والتحقتُ بالموانئ لسنواتٍ قليلة كانت من أكبر مفاتيح معرفتي، إن لم يكن في كل شيءٍ فعلى الأقل في عالم الموانئ والبحار..
وفي تلك السنوات القليلة مع "فايز بدر" رأيتُ إنجازاتٍ غيّرتِ الميناءَ تماما، ولا أنسى أنه أشار إلي وأنا الغرّ الصغير بالمشاركة بإنشاء أول أكاديميةِ تدريبٍ لأعمال الموانئ والنقل البحري في الخليج العربي، وما زالتْ حتى الآن كذلك.. إلا أنها لم تتطور كما كان المأمولُ لتصبح أكبر مركزٍ أكاديمي خليجي معترف به عالميا لعلوم الموانئ والبحار!
بعد "فايز بدر".. لم تتم تغييراتٌ دراماتيكيةٌ في الموانئ السعودية، كل المشاريع الكبرى، وإرهاصات المشاريع التي تلتْ هي من فترة الدكتور "فايز بدر" وفريقه.. بعد هذا الفريق انطفأتْ الموانئ.
كان عهدُ الدكتور عهدَ أفكارٍ، وكنا نعصر الفكرَ عصرا، ورأيته يطردُ إنجليزيا لأننا نحن الشباب في أول مؤتمر موانئ حقيقي يُعقد في كل العالم العربي حلـَلـْنا ما لم يستطع الخبيرُ أن يحله.. قائلا له: "هؤلاء الصغار الجُدُد عصروا مخـَّهم لأنه قابلٌ للعصر، وأنت عقلك صخر (ِA mere solid rock) غير قابلٍ للعصر".
ومرة رسم لي "الحاوية السعودية"، وكنتُ قرأت عنها في مجلة الإدارة العالمية الأمريكية وهي التي جذبتني للعمل مع "فايز بدر" في الموانئ، فقد اختارته تلك المجلة رجل الإدارة للعام.. وكان وقتها قد أنقذ البلادَ من أكبر تكدّسٍ موانئ، ليس في تاريخ موانئنا، بل ربما في كل موانئ العالم.
أما "الكونتينر السعودي"، فهو أول حاوية تـُفتح من جهتين حتى يسهل التناول والتفريغ، ثم تبخرتِ الفكرة لعدم الحاجة لها عمليا لكون النقطة الحرجة بدأت تتسع.. ويجب أن أعترف أيضا بأن "فايز بدر" أُطلِقـَتْ له الصلاحية كاملة من ولي العهد (آنذاك الملك فهد) في المؤسسة الوليدة، وكان رئيسُها التنفيذي ورئيس مجلس إدارتها؛ لأنه كما قال للمهندس مصفى حريري ولي: "إنها كانت رغبته أمام ولي العهد"، ولطالما استرجع هذه القصة أمامي (وحكى لي بأن من اختاره وقدّمه للملك هو صاحب اللمسات الكبيرة في هذا العصر السعودي الدكتور غازي القصيبي ـ يرحمهما الله.
كان الدكتور فايز قبلها يعمل في هيئة التخطيط، وكان رئيسه المباشر الأستاذ هشام ناظر، سفيرنا الحالي في مصر). خفنا على الموانئ أن تهتزّ بعد ذهاب رجلها القوي، لم يكن ملاكا، لم يكن خاليا من الأخطاء (من منا كذلك؟) ولكن عمله ما زال يقف مُبهرا ، ولم يضف عليه أحدٌ شيئا يُذكر.
والآن تحل الثقة الملكية في صديقنا وزميلنا في مجلس الشورى المهندس "عبد العزيز بن محمد بن ناصر التويجري"، ويُقـَدَّر لي أن يكون في الرئاسة دوما شخصٌ أعرفه.. إلا أن المهندسَ التويجري فإني أكثر معرفة به لوجودي معه في المجلس، وقلتُ له وأنا أهنئه على الثقة الملكية: "لا أدري هل أتحسر أني سألتفت إلى يميني البعيد وأنت كما عهدتك غارق في تصفح أوراقٍ دوما تتصفحها، فلا أجدك، أم أفرح أنك عُيِّنت في أهمّ صناعةٍ كما أقيّمها وأراها..؟".
وأعرف عن المهندس التويجري، صفةً له غالبة: فهو من أكثر من عرفتُ إيمانا بالتريّث، وسبحان الله.. كنت أسارعه بأن يقوم بزيارة لميناء الدمام مع لجنته في المجلس بصفته رئيسا للجنة النقل، وكان يريد أن يتريث، حتى يعرف لماذا؟ وكيف؟ وما هي المهمة؟ وما ستكون النتيجة؟.. ولما رأيت أني أمام عقليةٍ محللةٍ وصبورة، تركت الأمرَ له، لتمرّ شهورٌ قليلة ليكون مسؤولا عن الميناء ضمن كوكبة الموانئ السعودية.. واستغربتُ جدا أن تخرج جريدة "الوطن" بعنوانٍ يقول إن التويجري يصرّح حول تكدّس الموانئ.. إن التصريحَ قبل الدخول والمعرفة هي الدليلُ على التسرّع في إدارة أي هيئةٍ كبرى، ولكني أعرف أن هذا لا يمكن أن يصدر من المهندس التويجري، وأكاد أقول حتى لو سمعته بأذني.. لأني أعرفه، فهو يعد غبارَ البلاطة التي سيدوس عليها قبل أن يضع خطوته.. وأعرف أنه سيتريثُ قبل أن ينطق للإعلام، بل حتى قبل أن يشير بتغييرٍ، أو أوامر صريحة لمرؤوسيه، قبل أن يضع في رأسه كل شيءٍ، هذه هي شخصيته.. عبد العزيز التويجري لو حلـّلتَ عناصر دمِهِ لوجدتَ أن أكبرها: التريّث! إني أؤمن أن التسرعَ من أكبر الأخطاء، وقلت ذلك يوما وحصل.
وصاحبُ التريّث لا يندم.. ولكن الإمعان في التريثِ قد يخلقُُ تكلـّسا في التروس!