يا قاضي: قيَّدْتَّ أيادينا جميعًا!

سنة النشر : 18/09/2010 الصحيفة : الاقتصادية


هذا مقالٌ لا فضل لي فيه إلا في النقل، إن كان النقلُ فضلًا..

رسالة وصلتني من المستشار «ناصر بن عقيل السويلم»، وهو يتحدث بلسان المواطن، بلسان إنسانيته، بلسان عواطفِهِ، بلسان الدهشةِ الأولى المغموسةِ بالألم والغضب والاحتجاج والشفقة و.. العجَب.

يعرف المستشارُ أن المشهدَ الواقعي الذي نقله إلي قد لا يمكن استيعابه بلـْه تصديقه.. لذا فهو أرفقِ صورةً لما اطلع عليه، والذي رآه كان مؤلمًا كل الألم، وقد حرص على وضع الصورة، وحرص على ظهور الاسم كاملًا، وحرص على إرفاق المقاطع وروابط الخبر، حتى لا يترك لي عذرًا في التردّد، ولسان حاله يقول: «أنت في مكانٍ لو كنتُ أنا فيه لما كتبتُ إليكَ في الأصل، ولقمتُ به لنفسي».، لذا اعتبرتـُها أمانةً أنقلها كما رغِب هو، وأظنه من الحقّ الذي لا يُمارى.. لأنه وضع كل شيءٍ بوضوح، وبالصورة الشاهِدَة، ولم يُخْفِ اسمًا..

أترككم مع الرسالة، التي تُفصِحُ عن نفسِها:

«أخي: حين اطلعتُ على الصورة المرفقة لشخص في محكمة مدينة طريف مربوطًا بالسلم كما تربط الخرافُ شعرتُ بألمٍ شديد، وشعرتُ بإهانةٍ شديدةٍ.لقد شعرتُ بالإهانة لأنه لا توجد ضمانةٌ لي ولا لغيري من المقيمين والمواطنين بأن نتعرض لمثل هذا الموقف. وسببُ ربطه بالسلم أمام الغادين والرائحين أنّ هذا الشخصَ دخل في جدلٍ مع القاضي فتعرض لمثل هذا الموقف كما ورد بالخبر ، مع أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما قال للنساء عند البيعة أن لا يزنين ولا يقتلن أولادهن قامت هند بنت عتبة وقالت: ربيناهم صغارا وقتلتموهم كباراً (تشير إلى أبيها وأخيها) فتبسم رسولُ الله، عليه صلوات الله وسلامه، وهو الذي يحب الرفقَ، ولم يأمر لها بسجن ولا جلد. (وعند البحث عن الخبر في «قوقل» وجدت أن في محكمة طريف (ربما من قاض آخر) قام قاضٍ بتقييد أحد موظفي المحكمة بالسلاسل في مكتبه، أما زميله فقد هرب من فوق السور، لأن باب المحكمة أُقفِل بأمر القاضي، أما السبب فلأنهم قاموا بزيارة لزملائهم الموظفين للسلام عليهم، كما أمر القاضي في طريف اثنين من الشباب يدخنان بغسيل وشطف صالة المحكمة، والمصدر أحد مواقع الإنترنت).

إن الصلاحياتِ والحصانة والمزايا التي أُعطيَت للقضاة والمقترح إعطاؤها لهم حسب اللائحة الجديدة (جواز دبلوماسي، سيارة، سائق، قرض بمليون ريال، أرض 5000م، خطـّا هاتفٍ دولي، 300 ألف ريال عند التعيين...إلخ) إن هذه المزايا لم تُعط لهم لأنهم أميز قليلا من البشر، بل أعطيت لهم لتكون ضمانة للبشر المتقاضين. والسؤال الآن هل هذه الصلاحيات والمزايا حقّقّتْ الكرامة والعدل للناس.. أم ربطتهم بالسلم؟ إن اكبر الضمانات التي تعطى للمتقاضين في تقديري هي زيادة عدد القضاة بحيث تنظر القضايا من ثلاثة قضاةٍ وليس قاضيا فردا (فيه نوازع البشر، حين ينزعون إلى اتباع الهوى أو يعميهم الغضبُ) ولديه السلطة والقدرة على إهدار كرامة الواقف أمامه، ويعلم غالبا أنه لن يُحاسَب على ذلك ،أعلم أن هذا ليس حال جميع القضاة، ولكنّ واقع الناس عند مراجعتهم للمحاكم مؤلم.

إن الصلاحياتِ والمزايا المقترحة والحالية في تقديري هي من أخطر الأمور على حق المتقاضين في قضاءٍ كريمٍ وعادلٍ لأن هذه المزايا تتطلب تخصيص موارد ماليةً ضخمة وإذا كان هناك توجهٌ إلى زيادة عدد القضاة، فقد لا تقوم وزارة المالية بتخصيص أموال تكفي لزيادة عدد القضاة لأن هناك مشاريعَ تنموية أخرى يجب الصرف عليها أيضا، وبذلك تكون هذه المزايا وقفتْ عائقاً في سبيل زيادة عدد القضاة، كما أنه لم يثبت تاريخيا أن زيادة المزايا كانت ضمانة أفضل للمتقاضين بل إن القضاة من الصحابة، رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان لم يكن لهم ما يوازي مثل هذه الحصانة (وهي بدعة أساسها غربي) والمزايا، كما أن أغلب موظفي الدولة في المعاملات المعروضة عليهم ( وبعضها فيه حقوق كبيرة) هم بمثابة قضاة، وخصوصا قضاة اللجان العمالية والتجارية، وليس لهم مثل هذه الحصانة والمزايا. ثم أليس من العدلِ المساواةُ بين القضاة في المحاكم والقضاة خارجها؟!

أرجو منك أن ينال ما ورد بهذا الخطاب الاهتمام، خصوصا الصورة لأنها لا تُرضي اللهَ ولا أي مجتمعٍ متمدّن فيه آلياتٌ لإنصاف المظلوم من الظالم، وأرجو أن تسعى أنتَ لعمل شيءٍ لضمان حقوق المتقاضين.

وفقنا الله وإياكم للحق والهدى والصواب.(ملاحظة لقد اخترت الكتابة لك لحسن ظني بك).

أخوك المستشار/ ناصر بن عقيل السويلم.