بالبطن أم بالظَّهر؟!

سنة النشر : 02/09/2010 الصحيفة : الاقتصادية


«الخيالُ أهم من المعرفة»- أينشتاين.

كيف يمكننا أن نعطي مثالا واقعيا وحيا ومدللا بأن الخيالَ أهم من المعرفة؟ ودعوني أحدد النوع من الخيال الذي قصده ألبرت أينشتاين، إنه قصد الخيال الابتكاري بالتحديد، لقد وجدت ضمن ما كنت أقرأ في هذا العالم الإبداعي الجميل عالم الرياضة، ومن كتاب كالأيقونة اسمه «كتاب الأفكار» قصةً يجب أن تقال، وتروى وُتعاد، حتى نفهم أن الذين قادوا حملات التطور الخلاق إنما هم أصحاب الخيال، الخيالُ الذي يقف على أرض الواقع ثم يحلق في سماءِ التصور والخيال .. واللطافة في هذه القصة الرياضية أنها دليل شاهق على عمق أثر الخيال البناء الابتكاري رغم توافر فهم آليتها من قبل الناس العاديين أمثالنا، وليست من تلك القصص والتجارب العلمية البالغة التعقيد والتي لا يدركها العاديون أمثالنا. وتعطي الصورة المنشودة مضيئةً لا غبَش فيه عن أهمية ما نتطرق إليه.

كلكم تعرفون رياضة القفز العالي، أو الوثب العالي، وإن كانت ليست رياضة شعبية مثل الألعاب الجماعية إلا أن الألعاب الفردية هي مغزى ومعنى المسابقات الأولمبية، والفوز بأي ميدالية ذهبية في إحدى الألعاب الفردية لهو دليل على تفوق إنسان على الطاقة الإنسانية المسجَّلة كتخمٍ أخير لطاقة الجسد البشري، وهو إنجاز يسمى خارقا بكل المقاييس. الوثب العالي يقفز اللاعبُ فوق عصا أفقية مرفوعة بين عمودين رأسيين ومن يقفز أعلى فوق العصا هو الفائز .. بسيطة، أليس كذلك؟ طيب، حتى عام 1968ميلادية كان هناك فقط طريقتان للقفز فوق تلك العصا، إما بآلية الغطس العلوي dive over، بأن تتقدم اليدان، ثم الرأس يليه بقية الجسم. أو بآلية الانفراج الأقصى للرجلين بأن تتقدم الرجلُ الأولى ثم تتبع الثانية.

لذا كان يجب على اللاعبين أن يتقنوا كل أسرار هذين النوعين من القفز، ويحاولون إتقانه ومعرفة أفضل الطرق لأدائه، والتمرن عليه مرارا وتكرارا ساعات طويلة كل يوم ولأِشْهُرٍ طوال .. ولا طريقة أخرى للفوز إلا لمن يتقن أكثر هاتين القفزتين، فتضيق الفرصُ وتحتدم المنافسة. لذا فإن نسب الفوز كانت فعلا مريرة جدا.

ولكن اللاعب «فوسبري» كان له شأنٌ آخر، فقد كان هذا الشابُ لاعبَ وثبٍ ماهرا، ولكن فرصته بالعالمية والأولمبية الذهبية كانت نائية جدا قياسا إلى الأسماء العالمية العملاقة في ساحة اللعبة آنذاك، وكان أيضا يدرس الطب .. وبدأ هذا الشاب في التفكير لنفسه بنفسه، بعيدا عن التفكير النمطي السائد. وراح يدرس ويتمعن التشريح العام والهيكلي للجسد البشري، وأداء العضلات، ومرونة المفاصل، وحركة الأجزاء في الجسد ..ووصل لأمر خطير.

وجد أن أفضل طريقة يمكن أن يرتفع فيها الجسدُ البشري فوق العصا الأفقية ارتفاعا أعلى ليس بآلية الغطس العلوي ولا بالقدمين المنفرجتين المتلاحقتين، وإنما القفز فوق العصا، وليست العصا تحت البطن، والظهر للسماء، بل القفز والظهرُ فوق العصا والبطن يواجه السماء .. عكس المتبَّع النمطي تماما. طوّر الشابُ تلميذُ الطبِّ تقنياته الجديدة، وتمرن عليها، وصححها في كل مرة، يوما بعد يوم.

ثم جاء اليوم المشهود .. يوم الأولمبياد. وفي مدينة مكسيكو عاصمة المكسيك في عام 1968، أذهل طالبُ الطب العالمَ بقفزته المبتكرة في الوثب العالي .. وعاد وعلى صدرهِ يبرق لمعانُ الذهب! إن التفكيرَ في طرائق جديدة غير النمطيات المتبعة والخروج عن قبول الأفكار الحاضرة بالتفكير خارج حدودها، والتي هي المعرفة الحالية، أثبت تفوقا شاهقا وريادة جديدة لعهد جديد في آلية القفز العالي منذ ذلك التاريخ حتى الآن.

إن التفكيرَ خارج النمطية والاعتيادية هو الذي سيقود إلى مراحل جديدة في التقدم لحدود أوسع، وينفض الغبارَ عن معارف طالت حتى أعيدت وأعيدت حتى بليت .. إن الذي يحد من خروجنا لعالم الإبداع المنطلق هو انحباسنا في شرانق التكرارية والاعتيادية مما يورث كسلا إبداعيا يمنع التطور المنشود.. لكم أتمنى إقامة بيوتٍ للأفكار الإبداعية اللانمطية في كل مؤسسةٍ في كل وزارة، في كل مدرسة، في كل معهد وفي كل جامعة، بل في كل مجلس، وفي كل مدينة، في كل حيٍّ .. وفي كل منزل. وسترون كيف ستنقلب البلادُ دماغاً كبيرا تعمل كل مولداته!