سنة النشر : 11/10/2010 الصحيفة : الاقتصادية
سُئِلَ الإمامُ الشافعي عن مسألةٍ فقال: “إني لأجدُ بيانها في قلبي ولا ينطق لساني”.
مشهد واحد: في جدة، وفي موقعٍ في الواجهة البحرية، تأتي فتاةٌ صغيرة كفلقة القمر، ثم تلحّ بطلب المال.. وتطلعتُ ورأيت أربع أخريات، وأكبرهن في السادسة عشرة قريبا وكلهن على مستوى من الجمال وحسن المظهر. وتشتعل في رأسك كل المواد القابلة للاحتراق، كيف يكون هذا؟ من المسؤول عن تخلفهن وممارستهن للسؤال؟ وهل هي مجرد شحاذة، أم أنها تخفي أشياءَ أخرى؟ كيف يجسُرْن على ممارسة الشحاذة وبهذه الصفاقة والجرأة حتى إنهن يمسحن على ذقن من يردن منه إحسانا.. وكيف سُمِح لهن في الأصل؟.. ولكني أقول: إني لأجد بيانـَها في قلبي، ولا ينطقُ لساني.
المشهد اثنان: تصلني رسالة هاتفية من مدينةٍ من دولةٍ بعيدة، وتطلب مني الاتصال، وتعجبت أن يكون لأحدٍ هذه الذائقة بأن يطلب من أحد لا يعرفه الاتصال به على حسابه وبمكالمة دولية.. ولما هاتفتُ الرقم تبين أنها لعائلة مبتعثة يعانون مسغبة وجوعا نتيجة ديون باهظة، ولم يُمْنـَحوا مالاً يقولون إنهم يستحقونه من أجل تغطية نفقات الأبناء في المدارس هناك، وانتهى المطاف بديون تعدّت عشرات الألوف من الريالات، وتهديد بطرد الأبناء من المدرسة مع احتمال أكيد بالسجن كما تجري الأحداث، وتتعجب أن يسمح – ولو كان النظام مساندا- مسؤولٌ في سفارة سعودية لسعودية أو سعودي وفي تخصص عال بأن يُعرَّضا للمهانة والسجن.. والله لو كنت مكان مسؤول في سفارة وقُيِّدَت يداه لأن النظامَ لا يسعفه، لتجرأتُ على النص حتى لا أعرّض مبتَعثاً أو مبتعثة بريئة، وهما في تخصص راقٍ بالعلم بما يفخر به كل سعودي، للمهانة والسجن وضياع المستقبل وكل العائلة.. ولكني أقول: أجد بيانَها في قلبي ولا ينطق لساني.
المشهد ثلاثة: لما أجد فريقين من قومي يتحاوران بتطرف كل من جهته حول واحد من أكبر مشاريع الدولة الاستثمارية فإني أعجب كل العجب.. فلا يكون التساؤلُ والنقاشُ إلا على أمرٍ غائبٍ أو غير موجود، فالناس لا يتناقشون حول وجود الشمس في يوم صيفي في رائعة النهار، ومن يناقش حينها فلا يُؤْبَه له في الأصل.. وفي الليل يمكن أن نسأل عن الشمس، ومن الممكن أن يقول لنا طرفٌ آخر أين هي الشمس؟. وهكذا تتحدث أطرافٌ عن مشاريع وهمية، وعن سوء استخدام لأسس وأهداف المشروع، وعن ضبابية، وعن مشاريعٍ تُخجل من لم تجر في دمائه يوماً نقطةٌ من الخجل.. وفي الطرف الآخر تقوم الآلة الإعلامية من الجهة الأخرى تنفي وتحتج وتؤكد أنها ليست فقط تؤدي ما أنيط بها بل تقدمت بمستويات عالمية محسوبة.. وكمواطن عادي أقول: لماذا أُهَدَّدُ هكذا وأخوَّف وأروَّع بأن مستقبلَ مشروع تعتمد عليه أجيالـُنا محض هيكل من تراب، فنخاف من طلعة كل صبح من مقال يهدد طمأنينة النفوس، ثم لا نجد إلا هذا النقاشَ الدائرَ المحتدِم فنضيع وتـُصَمُّ آذانُنا بجلبة الصوت، لا بهدير التروس.. كالشمس وسط نهارٍ صيفي يجب أن تكون المشاريع، لا تدخل في النقاش والدفاع، إن كانت الجهةُ ماضية في مشاريعها فلتكشفها للناس، إن كانت المشاريع في ضمير الأرض ولم تطلّ فوقها فليمدونا بجداول الإنجاز والمتابعة المرحلية في الأسبوع أو في الشهر أو في السنة وفي الموقع بالإنترنت أمامنا أجمعين، وستكون عين المجتمع هي المطلة والحاكمة.. أو أن يكون جهازُها الإعلامي متصلاً بالمجتمع العريض بإعداد زياراتٍ دوريةٍ ومنتظمة، حتى ولو كانت عن طريق شركات السفر والسياحة بإجراءٍ مُيسر ومرتب ومنظم ومتعاقب.. عندها نطلب من الجهة ألا ترد تراشقا بالإعلام.. بل بالبرهان، بالشمس برائعة النهار.. فإن لم يقتنع من رأى وسمع عنادا وخدمة لغرض، أو إن امتنعت الجهةُ عن الإفصاح الكامل للعموم.. فهنا أقول: إني لأجدُ بيانـَها في قلبي، وليس ينطق لساني!
المشهد أربعة: إن كان أحد المستشفيات التخصصية في البلاد، والمفروض أن يكون الأعلى تجهيزا، ويأتي من يقول أخرجت منها مريضاً لتدهور حالته، ثم أخذته إلى مستشفى خصوصي (تجاري) مع أن مواعيده، فوق ذلك، تقاس بأعمار الأجيال، وترى أنه أبعد ما يكون عن مستشفى عادي.. فيعتقد القادمون إليه من الداخل أو من الخارج أما أننا لا نعرف معنى “المستشفى التخصصي”، أو أن هذا أفضل الموجود، وكلتا النتيجتين أمرّ من الأخرى. ثم يستمر ذلك رغم ما يبدو للعيان، فأقول: إني لأجـِدُ بيانَها في قلبي، وليس ينطق لساني.. المشهد خمسة: إذا أهلكتنا كثرة الحوادث المرورية، ثم لا نصون شوارعَنا وطرقنا الكبرى، ولا نبني محطاتِ إسعافٍ متخصصة كل ثلاثمائة كيلو متر على الأقل وفيها فريق مدرب على التعامل مع الحوادث في الموقع.. ونضع “ساهر” للمخاتلة أكثر من أن نستخدمه للتحذير والتحسب .. فهنا أقول: إني لأجدُ بيانـَها في قلبي، وليس ينطق لساني..
وأترك لكم بقية المشاهد.