وهل يمرض الملوك؟

سنة النشر : 15/11/2010 الصحيفة : الاقتصادية

 
كنتُ قد عايدتكم، وودعتكم للقاء بعد العيد، خصوصًا لملازمتي والدتي .. لولا أن الخبر الذي تصدر الأنباء عن مرض أبو متعب، أيقظ شعورًا، لم أغلب يقظته.
 
.. طبعا يمرض الملوكُ، كبقية الناس، بعضهم يمرض سريعًا، وبعضهم يمرض بعد عمرٍ مديد. بعض الملوك يموت في فجر عمرِه، والتاريخ يقول لنا إن الملكَ الفرعوني "توت عنخ آمون" الهشّ القوام، والذي تصفه وصيفته في مخطوطة بردية، بأن له بشرة من العسل تنزلق منها قطرات الماء، كما تنزلق من ورقة التين بجانب النهر، مات في الثامنة عشرة .. ومات الملك فاروق المصري في روما قبل منتصف عمره.
 
ملوكٌ يموتون من كونهم يعيشون أبهة الحياة المفرطةِ المُتعة ثم تغتالهم غوائلُ هذه المتعة. وملوكٌ يعيشون من أجل العزلةِ والصحة والحفاظ على العمر ما أمكن الحفاظ عليه، فملكة بريطانيا تخاف لقاء الناس حتى لا يصلها مرضٌ خاطفٌ عن طريق طفل أو مصافح، وما زال خدّاها رغم السنين ينضحان بحمرة الصحة.
 
وملوكٌ يحملون همَّ الملك، فيتعبهم ثقل الهم بالمسؤولية، الخليفة عمر بن عبد العزيز لمّا كان فتى طريّا لاهيا لعوبا لم يكن العمر إلا ساحات المرح والألوان ومراتع المُتَع .. ولما استيقظ وجدانه، استيقاظا عدليا إيمانيا بلغ حد الأساطير، بدأت الهمومُ، وبدأت الأمراض.
 
وإني لما سمعتُ خبرَ أن مليكنا عبد الله مريض، سألتُ له اللهَ مثل كل واحدٍ منكم الشفاء عاجلا غير آجل .. على أني وضعتُ يدي على قلبي وقلت: مليكنا هل نحن أمرضناه؟ المرض لا يأتي منا ولا بسببنا، يأتي من الله الخالق المنشئ عالم الأقدار، ولكنه يهيئ بيئة العلل، ومحفزات الأسباب، ودواعي الحدوث. فهل كنا نحن الأداة .. هل نحن أمرضنا مليكـَنا؟ إن كان مرضه بسبب همّه علينا، فلا بأس علينا إذن، فهذا همُّه لا يقاومه بحكم اتساع ضميره، وعظم مسؤولياته، وقدر الأمانة الملقاة عليه من رئيس أوحد لا رئيس غيره، رئيسٌ لا يحاسب كل يوم لتخف المسؤولية ويستقيم الطريق من بَعْد، ولكنه رئيسٌ يعطي الأمانة ويوثق عليها، ويختار لها، ثم يجمع الحسابَ في يوم واحد مؤجل بعد أن تغلق الحياةُ مشاهدَها كلها.. يومٌ ليس مثل أي يوم عرفناه. كل حامل أمانةٍ فيها مصائر الناس وفي قلبه خوف ومحبة الله، لا ترتاح عناصرُ وجوده أبدا ولا تغمض عيناه بلا رجفة الرهبة.
 
وعند اختفاء هذا الشعور الوجداني الإيماني من قلب ملكٍ من الملوك فلا يحق عليه استحقاق الأمانة من أصل الاستحقاق بذاته وبنوعه .. فلا يشعر إلا بشعور واحد: متعة وشهوة السلطة المطلقة. إذن هما ملِكان .. ملكٌ يحمل الهمَّ مع أول حملهِ للسُلطة الكبرى، لأنه يعرف أنه يحمل أمانة كبرى هو مسؤول عنها أمام واهب الأمانات. وملكٌ ـــ أو زعيمٌ ـــ يعيش وكأنه فوق البشر تستهويه شهوة القوة والسلطة من أول لحظة يضع التاجَ على رأسه، أو يتساوى على كرسي السلطة المطلقة. مرض مليكُنا، فهل نحن أمرضناه؟ إن كنا أمرضناه بما يتخاطف في الإعلام، لأنّ كل يوم لنا قضية جديدة ضد بعض. كل يوم مقال يتشاتم ويعيب فيه شخصٌ أو مجموعات، وكل يوم مسؤولون لا يقومون بواجب المسؤولية، ومسؤولون يُساءُ فهمهم قبل تسلم المسؤولية.
 
كل يوم شكاوى وصراخ بلا عمل حقيقي وبلا طرح واقعي للحلول، كل يوم تفتيش عن العيوب من داخل الزى الساتر للأمّة فننشر عيوبَنا بأنفسنا للعالمين أجمعين بلا تريث وبلا لقاء ولا تشاور في اجتماعاتٍ مسبقة، لأن هذا ينفرُ من هذا، وهذا يمرّر أجندةً عبر إقصاءِ ذاك.
 
إذا كنتُ، وأنا المشاهدُ البسيط، تمرضني الحواراتُ التي تترامى كأحجار منجنيق ملتهبة بين طرفين، ويمرضني أن أجد من يصِم عالم دين بالتخلف والانقطاع الساذج، ويؤلمني أن أرى من يأتي مستبسلا ممثلا معسكر الدين فيرمي آخرين بقذى الأوصاف وساقط الألقاب .. وفي النهاية الأول خرج عن أدبيات الشرع والدين، والثاني خالف ما نهى عنه الدين في التنابز بالألقاب.
 
أرجو يا مليكي ألا نكون نحن الذين أمرضناك. وأرجو أن يمر عليك هذا العيد والشفاء اكتمل لك بحول الله، فلطالما حولتَ لنا أياما أعيادا. وإن كُنا أمرضناك .. سامحنا، فنحن همّك لأننا نحن أمانتك!