تذكروا التفاحة!

سنة النشر : 18/12/2010 الصحيفة : الاقتصادية

 
كسعوديٍّ أكثر ما يؤذيني الإساءةُ للسعوديين والإضرارُ لأي سعودي، وحتى أن يضُرَّ سعوديٌ أحداً تعديا. ولكننا نساهم بأن ينهش لحمَنا الآخرون، أولئك المستعدون لنهش اللحم. وهذا اللحمُ السعوديُّ يجذب ضواري الناقدين والمسيئين ومروّجي الإشاعة والسمعة السيئة، يعرف أيُّ صحفيٍّ في العالم أنه ما أن يضع اسمَ هذا البلد، إلا ويتهافت الناسُ للقراءة.
 
ومن الأسباب التي جعلتني أجمع أولادَنا وبناتِنا في الخارج الذين تركهم آباؤهم الخوفُ على هذه السمعة، وقد يكون السببُ المباشر ما روّجته الصحافةُ في بلدٍ شرقي آسيوي عن بنتٍ سعودية اختيرت كملكةِ جمال، وبقيت الصحفُ أسبوعاً تتحدث وتلمز في بلدنا، وليت هذا فقط، بل جلبتْ وحصَدَتْ أكبرَ ردودٍ للقراء على الإطلاق. هناك جاذبيةٌ سعوديةٌ قويةٌ لمتطفـِّلي الفضائح، وناشري الغسيل بوسائل الإعلام.. أُسَمِّيها "الجاذبية السلبية".
 
وكنت مع العم أحمد والأخ هشام ندور في سوقٍ شعبي في عاصمة ذلك البلد، وفي الأجواءِ تتطاير أخبارُ اعتداءِ جنود أمريكيين على فتياتٍ صغار، وزامنتها فضائحٌ مماثلةٌ عن كوريين ويابانيين ودارت أخبارُها بالصحف، ولما سألنا بائعة عجوز كان للتو مجموعة من السعوديين ملأوا جيبها نقدا من مشتريات كثيرة من بسطتها، عن جنسيتهم، قالت: "هؤلاء المغتصبون!" واندفعت الدماءُ في أوردتنا تغلي صاخبةً، ثم عرفنا أن الصفة الشائعة عنا عندهم هي تلك.
 
حوادث الاغتصاب تتكررُ هناكَ من جنسياتٍ أخرى، وتندر أن تقرأ هذا عن سعوديين في بلدهم.. بل في مجتمعهم يسري أكبر معدلاتِ اغتصاب المحارم.. ومع ذلك يبقى السعوديُ، والسمعة السعودية الأشهى للنهش.. لذا أسميناها جاذبيةً سلبية.
 
أعود للرابطة التي نشأتْ بعد موضوع ملكة الجمال، وكيف أن الصحف تناولتنا كتجمع الغربان على وليمة في الأرض، بينما عدد الأبناء السعوديين، المثبتين وثائقيا، لا يمكن أبدا مقارنته بالأجيال المتروكة من جنسيات أخرى كلها أوروبية ويابانية، ولم أسمع أو أقرأ عنهم تهويلاً، كما يحدث للسعوديين. كيف نتخلص من الجاذبية السلبية؟ ولمَ نحنُ بالذات؟ إجابة تطول، وقد تكون صحيحة، وقد تكون أبعد ما تكون عن الصحة، ولكنها بكل أسفٍ حقيقة شاهقة الواقعية.
 
لذا أقول دوما، يجب أن نحرص على سمعتنا من الداخل والخارج أضعاف غيرنا، لأننا لن نستطيع متى حدثت الحوادثُ مهما صغُرت، ومهما كنا طرفا لنا عذرنا، أن نقنع شخصاً واحدا في العالم.. وهذه حقيقةٌ أخرى. فلا حلّ إلا أن نقلب هذه المشكلة الكبرى، بأن نجعلها إيجابية كبرى، فنتحذر أكثر من غيرنا في صيانة سمعتنا بعيدا عن مزالق المشاكل، وكلها معروفة، ومعروف مدى احتمالية وقوع نتائجها على أمِّ رؤوسِنا كلنا بغير استثناء.. وعندما نتحذر أكثر من غيرنا عشر مراتٍ أو مئة مرة، فما الذي يضيرنا؟ بل سيكون لنا نافعا في كل الأحوال، ونحوّلُ شوكاً ينغرز في أضلـُعِنا، إلى زهرٍ يضوع في حواسِّنا. فقط في الأمس في صفحة "الفيسبوك" الخاصة بي كتبت واحدة موضوعا بما يشبه السباب الصريح، والعيب بسمعة السعوديين بلا استثناء، بعنوان: "لماذا أكره السعوديين؟". والغريب أن تجد سعوديين يؤيدونها، بعضهم يقول: "يجب أن نواجه عيوبنا".
 
وهذا دليلٌ آخر على سوء النتائج في أننا صرنا نقبلُ العيبَ فينا، وننسى أن قلة هم المسيئون.. ولكن قالوها في الأمثال: "تفاحة واحدة تفسد "أمّةً" من التفاح". وفي الخارج عندما يقوم سعوديون وسعوديات من دمنا ولحمنا، وينتقدون جهارا بلدهم وناسهم يكون التأثير مضاعفا، وقالوها في الأمثال: "شهد شاهدٌ من أهلها"، وما أقوى من هذا دليل. بعضُنا يبدأ الشرارة، ثم نغضب إذا جاء أحدٌ وجعل منها ناراً تلظّى.. وننسى، لولا الشرارة الصغيرة أو التي نراها صغيرة، أو التي حتى لا نراها أحيانا، تُضْمِرُ النارَ الكبرى.
 
عندما هاتفني شابٌ من المغرب العربي، ثم شابة أخرى، ثم رسائل، وكلها من المغرب، وفيها، في أقل الأحوال، عتبٌ شديدٌ على بلادنا وأهلها، فذاك لأن والديهم تركوهم هناك بلا رعاية وبلا نفقة، وبلا شيء.. ولأننا بعيدون عنهم. وصحيحٌ أنه يأتي من سيقول: "ولماذا يقع علي أنا أن أنظف بعد الآخرين؟".. وأجيب: واجب علينا هذا التنظيف متى أمكننا، لأن المطرقة ستصيب رأسَكَ أنت أيضا، فلا استثناء في تشويه سمعةِ بلد.
 
في المقال القادم أنقل لكم ما كتب ببعض رسائل وصلتني من المغرب الشقيق. وكل أم هاتفتني تشير إلى موضوع الكره هذا، مع أنهن كلهن يقلن إنهن حاولن الحرص وتربية أولادهن على محبة بلدهم الأصلي.. ولكن مقتضيات المعاناة تجعلهم غاضبين. كيف نضع حدّاً حاسماً لهذه السمعة التي تُلاك؟ وكيف نوقف أن يُستغـَلّ وضعُ أبناءٍ متروكين في الخارج ليعطوا دليلا لا يمكننا دحضه عن السعوديين، مع تأكيدي أنه لن ينفع القول: "إنما هم قلة".
 
.. تذكروا التفاحة!
 
ألقاكم إذا شاء الله الإثنين.