عبد الله بن عبد العزيز .. لن نشكركَ ولكن ..

سنة النشر : 19/03/2011 الصحيفة : الاقتصادية

 
لما سألني المذيعُ الراقي في إذاعة إل إم بي سي عن الخطاب والقرارات الملكية، قلت إن عنوان طريقة تفكير الملك التي وضحت في الآونة الأخيرة؛ أنه يعطيك العنوانَ استباقاً ثم يحكي لك بعدها قصة العناوين بالتفاصيل.. الخطابُ الملكي لشعبه بحد ذاته جاء إنجازا. لأنه جاء بروح قيادة إنسانية، لا بطبيعة زعامة حاكمة. جاء الخطابُ حديثا قصيرا مع الشعب يقول له يا شعب أنت المهم، ولم يقل أنا المهم.. لم يقل إني أحبكم وأنتم تحبوني، بل اكتفى بالمقطع الأول.
 
جاء المقالُ فريدًا في إعداده اللفظي، في آلية الخطاب البسيط المباشر، في الحركية النفسانية في الأسلوب لتكون جسرا فعليا بين قلب الرجل الكبير مع كل ناسه في الأمة.. الخطاب يؤكد للشعب أنهم مهمون. والحكمة في المقال أنه شكر للشعب، وليس تركيزاً على شكر للإدارة الذاتية أو الرسمية.. لقد أشعر الشعبَ بدوره، وأن دورَهُ مهم، وأن دوره تعي له الحكومة، بل قال إن الشعبَ كانوا وراء رصّ صف الأمة.. لم يقل القيادة، ولم يقل الأكليشة التي تعودناها التي تنتهي بصفة الرشيدة. جاء الخطاب واقعيا مصدَّقا وروعي فيه كل إمكانات الصدق وكل إمكانات وصول الصدق. إنه حرص على احترام الشعب، وحرص جدا على كلمة آسرة لا تذوب مع عوامل الزمن وينساها من دوخهم أفيون السلطة، وهي ببساطة ومباشرة وحميمية: أحبكم. ولما قال لي زميلٌ قريبٌ إن الخطاب أبكاه.. قلت : لمَ لا؟ هدفُ الخطاب أن يصل لشغاف القلب ليحرك مفتاح مولد كل العواطف. فالخطابُ بذاته إنجاز تاريخي مفصلي لتواضع رجلٍ كبير لم يضره التواضع بل كان رافعة له إلى مواقع الجمال الإنساني، والرفعة القيادية. الخطابُ إعدادا، ونيّة، وأسلوبا كان عبقريا في وضع صيغة جديدة للخطابات الرسمية من الآن.. خطاب تبرز فيه أدوار الناس العاديين، أنت، أنا، جارك، وجاري. لنشعر بأننا شعبٌ وأننا كلنا معا نشكل أمّة.. لا تستغني عنا، لا نستغني عنها. أما القرارات فجاءت تعالج أهم الاحتياجات الإنسانية، الرزق، والصحة، والعلم، والدفاع والأمن. لذا هنا كان مغزى العنوان ثم القصة. انظر أنه لما جاء الملك معافى، بإذن الله، وأطلق حزمة السبعة والثلاثين مليار دولار، بعناوين عريضة، الكثير استبق التفاصيل، وهذا برأيي الشخصي بالطبع. وكثير منا قرأ في الصحف ووسائل الإعلام الغربي والعربي بل حتى في المحلي أنها لا تعدو إلا أن تكون ترضية استجابة لفورة ظروف راهنة، ومن قال إنها وصفة مسكنات.
 
 الآن تكشفت القصة عن برنامج كبير ومُعَد وجاء أيضا بأسلوب اختلف عن النمط الديواني التقليدي، وتفادى برشاقة الإيحاء الزمني والظرفي، ليكون مباشرة موضوعية، لم يعد يهم أصلا إن كان لها محرك أو دافع أو سبب. جاءت مفصّلة في مواضيع دخلنا فيها بمتاهات المشكلة، ثم تهنا أكثر بمتاهة محاولة العثور على حلل للمشكلة، وجاء الحسم. وأن تنتبه لشيء آخر فيه الشجاعة بالمصارحة مع الشعب، يعرف الأطباء أنه إكلينيكيا لا يمكن علاج أي عارض أو مرض صحي من دون الاعتراف أولا بالمرض، ثم تشخيصه تشخيصا صحيحا ودقيقا ليدرس العلاج الموائم والصحيح.. الملك في قراراته بإيجاد هيئة لمكافحة الفساد وتعود إليه مباشرة أول ما نفهمه أنه اعترف بصراحة وبقوة بوجود الفساد، وهذا يطمئننا للحلول، ولم يُسْبـِقها بأي تبرير مثل: ''هذه الأمة بخير، والموظفون أمناء إلا قلة ضعيفة النفس'' كما جرت الصيغة الثلجية التي علكناها حتى اختفى طعمها، بل جاءت مباشرة صريحة، وذهب الملك أبعد في الاعتراف، وقال حين لم يقل مباشرة، إنها عميقة ومتجذرة وتستنتج ذلك من شيئين: أنه جعل الهيئة مباشرةً تعود إليه، واختار شخصا نرجو أن يكون حديدي القلب نظيف الهمة جسورا على قدر مسؤولية المهمة الكبرى. وثانيا، أنه كرر في قراراته صيغة جديدة كليا، وهي: كائنا من كان، كائنا من كان! لو لم يكن في القرارات إلا مكافحة الفساد بضراوة لا مواراة فيها لكفى الملك، فالقضاء على الفساد يعني بمباشرة أكيدة: ازدهار كل شيء! يبقى شيء؛ أن لا يعقد تطبيق القرارات، فمثلا أنا قلق جدا من كلمة: ''الباحث عن العمل'' فهي كلمة عائمة، ويجب أن تفسر تفسيرا صحيحا ومقبولا بلا فذلكة ليفهمها الجميع مباشرة، وأن تكون بمنطق عادل يقرها كل صاحب منطق سوي.. يجب أن يُعرف وبوضوح، تلافيا للغضب وسوء الفهم وتراكم العمل المكتبي وتعقد الإجراء، المعنى، ليعرف وبدقة من يريد أن يعبئ طلبَ المخصص المالي هل تنطبق عليه الشروط أم لا، قبل أن يبدأ بأول خانة في استمارة الطلب. وملكنا كريمٌ ونحن طماعون، وملكنا خيِّرٌ ورحيم ونحن طمّاعون، وكنا نود، وما زلنا نريد، أن نسمع شيئا يتعلق بالمساجين، حقا وعدلا ومحاكمة.. وإطلاق سراح. مليكنا: فهَّمْتـَنا بوضوح بخطابك أنك لا تريد منا أن نشكرك.. ولكن، لا يمكننا أن نمتنع عن حبك حتى لو أردتَ، حتى لو أردنا.