أم سعود: العبدُ يعجز عن إصلاح ما فسدا

سنة النشر : 11/04/2011 الصحيفة : الاقتصادية

 
.. أرجو، وأدعو اللهَ، أن يخرجَ هذا المقالُ من أجل مسؤوليتي أمام الله، ثم إثباتا لحبي الذي لا أمايز به أحدا من أبناء بلدي وبناته للوطن .. وحبّاً لولاة الأمر الذين نريدهم دوماً معنا ويعطيهم الله من أمرهم رشدا، ويزيد من حكمتهم، ويبقيهم لقيادةٍ عادلةٍ لهذه الأمة .. وقلب ولي الأمر يتسع لسماع ما يدور بقلوبنا، وما يمورُ في عواطِفنا، وما يجول من خواطرٍ وأفكارٍ في أذهانِنا.. أقول هذا تعطفاً ورحمة وغفرانا وسماحا وتفهما بين الناس؛ حتى لا يعمّ الغضبُ ويموج .. فالذي يهمّنا هو أمنُ البلاد، وأمن البلاد يعني أمن الناس، وأمن الناس يعني رضاهم، ورضاهم يعني قبولهم .. والقبولُ يعني قبول الثواب وقبول العقاب، ولكن أن يُشرَح ويُثبَت لمَ العقابُ ولمَ الثواب.
 
إن الشبابَ السعودي، وهذه ثالث مقالة على التتابع أصرّ فيها على أنهم يثبتون أنهم ليسوا من طلاب الشغب والتجمعات الصاخبة، بل إنهم يمجّونها ويعافونها ولا تقبلها عقولهم ولا ذائقتهم .. ولكنهم يعبرون بالطريقة النموذجية ليناشدوا للأفضل، ويؤمنون بأن العدلَ والحكمة والطيبة والحزم والتفهم موجودة عند ولاة أمور الدولة. ومن تحت هذه المظلة الرحبة ينطلقون للتعبير والمطالبة من دون ضجة، من دون استجلاب صيحات ومناشدات من وإلى الخارج .. إنهم يعالجون مشاكل الأمة من الداخل بينهم وبين مجتمعهم وبين المسؤولين الذين يحترمونهم ويظنون بهم الظنّ الحسن .. وولاة الأمر قالوا في أكثر من مناسبة، وما زالوا، إنهم ليسوا فقط يتقبلون النصحَ والمشورة، بل لم يتوانوا في أن يقولوا إنهم يطلبونها متى جاءت صادقة من أجل الصالح العام، ومغلفة بما يتطلبه النصح من أدبٍ جمّ وتطلع صريح، ومصلحة جارية غير ضيقة ولا منحازة .. هذا الدافع، هذا المنطلق، هذا الإيمان، تلك الراحة التي تورثها تلك الحقائق في قلوب الفتية والفتيات هي التي تجعلهم يعملون من أجل ذوات غير ذواتهم.
 
الشبابُ هم من أطلقوا فيلم: "أوباما أطلق حميدان" الذي انتشر كما لم ينتشر فيلمٌ قصيرٌ من قبل لموضوعٍ جاد .. لم يكونوا يعرفون عائلة حميدان، فهم مجرّد طلاب قدموا من جدة للدراسة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن .. ورأوا في قضية حميدان شأنا وطنيا وأنه أخوهم السعودي المسلم، فانطلقوا بحماسة تهزّ الوجدانَ لإنجاز المهمة في أيام .. اليوم شبابٌ آخرون يخرجون فيلما بعنوان "سعوديون غائبون".. وانظروا الفخرَ والاشتياق في اختيارهم صفة "سعوديين"، لم يستخدموا صفة "مساجين"، وهذه رسالة عبقرية الصدق بفخرهم لكونهم سعوديين، ويؤمنون بحنو وصدق وعدالة هذه الدولة وأنها تتيح التعبير عن الألم، عن الوجع، عن الشوق، عن التيه، عن اللغز الذي يغرق في الألغاز، عن الانتظار على شاطئٍ بلا بحرٍ ولا مركب .. عن دمعةِ قلبٍ حمراء، عن آهةِ أمٍّ متدثرةٍ كالملاك بالبياض وتنشد تنادي ابنها السجين: "يا سعود يا سعود العبدُ يعجزُ عن إصلاح ما فسدا..". فيلمٌ مُبْكٍ، يحرك سيلا من الدمع يهبط من السروات لينساح على بطاح نجد، وسهول الشرق، وبراري الشمال.. دعواتٌ تتصاعد من الأرض الضيقة إلى السماء اللانهائية، من أمهات، من آباء، من أبناء، من بنات، من أجل رجوع أحبابهم الذين هم بالسجون، ومضت السنون تأكل أعمار من بداخل السجون، ومن هم بانتظارهم خارج السجون.
 
ونخاف من الانتظار أن يكون مع الزمن، من الطفولة للشيخوخة، تجمعا موجعا قاهرا من الاحتجاج ثم الغضب. . نتيجةٌ لا يريدها أحدٌ محب لهذا البلد الآمن العزيز، ولا لمن نحبهم ونقدم لهم البيعة طوعاً وحبا وثقة ونسلمهم بثقةٍ ورغبة مصائرنا. في فيلم "سعوديون غائبون" بكيتُ بصوتٍ مسموع، وأم سعود الملائكية المسوح تنشد لابنها الغائب، تنشد بالدعوات لسعود الحبيب، ثم يميل رأسُها للوراء لا إراديا، لقوة رجفة الأعصاب داخل الوجدان المشتاق، تدعو ربَّها بإنشادٍ يفطّر القلبَ الذي يريد مهربا من قفص الضلوع .. تنادي في الذهول ربّاً لا يغيبُ ولا يذهَل. إن فتاة في رونق الزهر هي "إيمان" تتحسر أباها، وتذكر مناقبه وكيف ربّاها على الصدق وحب الوطن، وكيف يتعلق به تلاميذه لأنه، كما تقول بصوت متهدج، يحبهم ويصارحهم ولا يسكت عن الخطأ ليكون هذا البلد من أفضل البلدان.. "راح أبي" ـــ تقول ـــ "وتحملتُ وحدي كل مسؤولية العائلة!" ولن أحدثكم عن دموع وشهقات وشوق طفل .. كفى! نؤمن بعدالة الحكم بهذا الوطن، وبأن ولاة الأمر ساهرون على راحة كل فردٍ منا.. ولكن، تغيب أشياء، ولم يدّعِ أحدٌ أننا بلادٌ نزلتْ منزّهة مطهّرة كاملة من السماء .. ونؤمن ونوقن بأن ولاة أمرنا يسعون ما أمكنهم لأن تكون بلادَنا أقرب للنزاهة والطهر والعدل كاملا .. يجب أن يعاقب المسيءُ وإلا فلت الزمامُ وعمّتْ الفوضى، ولكن كما يقول المحامي "باسم علم" إن معرفة التهمة والمحاكمة السريعة والرأي متى كان صادقا غير ضار، من أبسط الحقوق وفي هامة النظام الأساسي للحكم، يلاقي قبولا عند ولاة الأمر بأن معرفة الأم بمصير ولدها والبنت بمصير أبيها، والطفل بحق الله في دموعه، وآهة أم سعود الحرّى، ولهفة الشابة إيمان وآلاف غيرهم هي أولى البداهات وأصلٌ من أصل الحقوق.. أعرف، ولاة الأمر لا يقولون هؤلاء سجناؤنا، بل يقولون، وهم محقون: هؤلاء أبناؤنا. آن لأبنائهم أن يستقروا في قلوب من يحبونهم..