عرفتُ الهديةَ يا مبروك!

سنة النشر : 09/05/2011 الصحيفة : الاقتصادية


مقالةٌ مهداة لوزارة العمل، للشباب.. ولنا جميعا. .. كان يعيش رجلٌ حكيمٌ في أرض السواد، وكان الرجلُ حكيمًا، محبوبًا، وبالكاد يقيم أوَدَهُ بما يبيعه من صُنع الأدوات.

عاش الرجلُ عازبًا طيلة حياته، وكبر في السن وقرر أن يقوم بأمرين مهمين .. الأمر الأول، أن يتزوج. الأمر الآخر أن يقتني فتىً يساعده على القيام بشؤونه (أيام كان الغلمانُ يخطفون من بلادٍ بعيدةٍ ويباعون..).

المهم أن الرجلَ عقد على امرأةٍ طيبةٍ وتزوجها، ثم إنها أنجبت غلاما مترعا بالعافية، وملأت زوجه والولدُ الذي أطلق عليه اسم ''ضياء'' كل حياته، وعرف طعما حقيقيا للسعادة لم يذقه من قبل.. أبدا! كما أن الغلامَ الذي ابتاعه سمّاه ''مبروك''، وصار يساعده على شأنه اليومي، ويدربه معه على صُنع الأدوات فنما إنتاجه، واتسع رزقه..

يكبر ضياء، ويصير يافعًا نضرًا ناضحًا بالحيوية، ومتدفقًا بالنشاط، وماء الشباب يورّدُ بشرته.. ويبدأ الأب الذي بلغ سنا عتية يفكر في حياة ابنه وزوجه من بعده..

كان الوقتُ مساء، والعجوزُ يجلس القرفصاءَ على مصطبةٍ حجرية أمام حانوته الصغير، ويتأمل النخلاتِ الباسقاتِ في أطراف القرية حيث المزارع.. وسعفات النخيل توخز قرص الشمس الواسع الغاطس في الأفق الغربي.. نادى ابنه ضياء، وقال له: ''يا بُني، لم يعد لي عمر مديد، ولا أرجو في أرض السواد رزقا وافرا، لذا عندما أموت ستجد وصيتي هنا تحت هذه المطوية الجلدية.. لا تقرأها حتى ذلك الحين..''.

وقف ضياء على شاهد قبر أبيه بعد أن رشّ الماء على تراب القبر، وبدأ في الدعاء له، وتذكر ما حصل له مع أبيه قبل عام من هذا اليوم. ذهب إلى الحانوت وفتحه، رفع المطوية الجلدية، وجد داخلها مطوية من قماش خفيف كتب أبوه عليها هذه الجملة: ''لقد تركت لك هديةً كبرى في مزرعةٍ بورٍ جنوبي الوادي، خذ الأدوات، واحفر الأرض لعلك واجدها.. ولا تنس أن تأخذ معك مبروك''.

تناول ضياء الأدوات من وقته، وأشار إلى مبروك أن يتبعه.. بدأ الاثنان في حفر الأرض، بحثاً عن الهدية المخبأة. ولكن الأرضَ البورَ كانت على امتدادٍ واسع، فأمر ضياء مبروك أن يعمل في القسم الآخر من الأرض حتى يغطيا المساحة ما أمكنهما.. طالت الأيام وحُفرت الأرض مرارا، ولم يجد الشابان هديتهما المخبوءة.. على أن مبروك أشار على سيده اليافع أن يبذرا الأرضَ ما دام حُرثت بالمعاول.. انتشر الاثنان ومعهما البذارُ وصارا ينثرانه في الأرض المتلهفة، ثم بدأ السقي، ثم بدأت العناية، والتسميد، والمتابعة من مطاردة الطير وإبعاد هوام الأرض، ولم يمر حول إلا وقد ارتفعت سنابلُ من ذهب ترقص مع الريح مع إطلالة الشمس في أول أيام الربيع.. وجاء الحصادُ، وباع ضياء محصول قمحه الجيد، واشترى بذارا جديدا، وعاملا جديدا إضافيا.. ووفّر بعض المال، وبقي معه من المال ما يكفيه مع أهله ومصروفات عمله لمدة عام.

يوما قال مبروك لضياء وهما يتناولان بعض التمر في ظهيرة تحت ظل شجرة في استراحة بعد العمل: ''أظن أني عرفت ما هي هدية والدك المخبأة تحت هذه الأرض''، يرفع ضياء رأسَهُ، ويتساءل: ''وما هي يا مبروك''؟ يرد مبروك ضاحكًا لتشع أسنانه البيضاء: ''إنه هذا المحصول الذي تراه يتدفق ويملأ الأرضَ خيرا''. على أن ضياءً أطرقَ طويلاً، وقال: ''لا أظن أن والدي كان يقصد المحصول، إنما كان يقصد أمرا أعظم قدرا، لذا قال (هدية) ولم يقل كنزا.. أو ثروة. أظن أن الذي قصده والدي أن هديتي منه هو من يُحيي الأرض، ومن يصنع الثروة.. إنه شيء قريب مني جدا وشيء متآلف ومتكامل معي''.

يتعجب مبروك ويحك رأسه متسائلًا: ''ماذا تقصد؟ ما هو الموردُ الذي قصده أبوك''؟ يرد ضياء وكأنه فجأة وجد ضالته: ''نعم صدقت،.. المورد الذي قصده والدي ليس كنزا مخبوءا، بل هو شيء أهم من الداخل.. إنه أنت، وأنا يا مبروك.. الهدية البشرية، المورد البشري الداخلي، أعظم عنصر للثروة''.. وتعانقا! تمر القرون .. ويعرف العالم مصطلحا هو.. ''المواردُ البشرية المتآلفة من الداخل والخارج'' لكلٍّ مكانٌ ولكلٍّ دورٌ، ولا يطغى الخارجُ على الداخل، بل يضيف إليه ولا يأخذ منه!