من ضدنا فهو .. معنا!
سنة النشر : 01/05/2011
الصحيفة : الاقتصادية
هل اسمُ بلادنا لامعٌ بين الأمم؟ سؤال مهم، وإجابته تتوقف عليه نظرتنا لأنفسنا، وتقييمنا لاستطاعاتنا وجهودنا. لقد سجلنا درجاتٍ غير مقنعةٍ في شهادات التقييم العالمية في الإنجاز العلمي، وفي قياسات المنافسة، ومناخ العمل المفتوح، وفي قياسات الأداء العام .. ويتهموننا أيضا بخرق حقوق الإنسان .. كيف نقابل كل هذا؟ أنا لستُ خائفاً، ولا متضايقاً من كل هذه الأقاويل التي دارت في العالم، ولكني خائف ومتضايق مما أدمناه في قضية النكران الدائم State of denial . لا يهمني أبدا، كيف ينظر إلينا العالم، ويهمني كيف يجب أن نرى أنفسنا. بمعنى إن أردنا أن نرتقي في سلم الحضارة فلا بد أولا أن نعرف موقعنا الحقيقي، ولا بد من رأي الآخرين بنا - حتى لو كان في اعتقادنا أنه ظالمٌ أو قاس - كي نحدد موقعنا، إن لم نحدد موقعنا بدقة، فلن نصل إلى شيء .. وإن وصلنا فليس للمحطة المنشودة .. وهذا أسوأ! إن من الحصافة الشعور بالتحدي، وليس بالنكران والتصدي، فتتبدد الطاقة، لأن بذل الجهد لصد كل ما يقال لن يحركنا مليمترا واحدا إلى الأمام، بل سيهدر طاقتنا، وذلك يجرنا للخلف، لأن مجرد الوقوف هو نكوص.
العالم لا يقف، وإن نحن وقفنا تركنا خلفه. علينا التأمل بأي تقييمٍ حتى لو كان ظالما أو كارها كمناسبةٍ كي نستعرض إنتاجنا، ونفحص موقعنا، ونحدد اتجاهنا، ونعيد وزنَ معاييرنا، بدل أن ننكر كل ما يقال عنا، فلا يسمعنا إلا نحن، وبعضنا ملّ من كثرة النفي والإنكار فخفت درجة التصديق. ويتضايق البعضُ من جاهزية المسؤولين للدفاع والشجب، وتجييش الأقلام لذلك، وليت أننا نقنع غيرنا، وإنما نحرق أعصابَنا بنارنا، وهذا لا يمكن أن يكون من الحكمة، ولا من حنكة قيادة الأمم. ليت أنا نأخذ من كل انتقادٍ يوجه لنا لقيماً ندفعه إلى تروس مولداتنا لنندفع إلى الأمام .. حينها لن نخاف من القوائم، ولن نرتجف ونزبد من الغضب .. ولكن سنشكر كل من وضعنا في قائمة، أو أخرجنا منها، لأنه ينبهنا كل يوم أننا لا بد أن نمضي إلى الأمام. وهذا الصحيح، وليس حالة الإنكار، ولا التمجيد بالذات - ولا عقاب وتصغير الذات - إنما بشحذ الهمة الداخلية، ودراسة المعطيات، وتسجيل الحالات بصراحة وصدق .. بمعنى أن تكون هذه التصنيفات شاحذة للهمة، وليست تأجيجا لغضبٍ آسر.
يجب أن نؤمن نحن كلنا كمواطنين ومسؤولين أننا لسنا من طينة أقل من الآخرين، ولسنا أيضا من طينة أرقى من الباقين .. أن نؤمن أننا نملك ما يملكون، ونستطيع ما يستطيعون، وأن الطريقَ المنتج يكون عن طريق المكاشفة أولا، ثم الجدية والصدق في تناول المواضيع، فلا يضيع أمة إلا الزيف، والخوف من الحقيقة، وطمس الواقع بجُمـَلٍ زاهية سريعة التبخر، لأنها علامات الطريق المؤكّد نحو الفشل.
الذي أتمنى أن نفهمه ونستوعبه ونقبله، أن لنا إخفاقاتنا، ولنا تجاربٌ أثبتت فشلا، وأن لنا نجاحاتنا. ومن يصنع النجاحَ سيتغلب على الفشل، كما أن من يحقق الفشل يستطيع أن يسحق النجاح .. أليس كذلك؟ إذن المشكلة تكمن في ندرة الحلول الواضحة .. وأول الحلول أن نشد على يد من يتهمنا بالفشل. ما يضرنا لو أعدنا تقييم أنفسنا وأعمالنا، مرة ومرتين وثلاثا .. ومرات؟! لن يضرنا أبدا، وسيزيد من تراكم التجربة وثراء الخبرة. وألا نقع في حمأةٍ أخرى: مستنقع التشاؤم واليأس. وبما أن حالة النكران لا تنفع، فإن التشاؤم واليأس هما المرضان الصعبان اللذان يتسللان إلى نخاع الأمة فتـُشـَلّ أهم مصادر البناء والإبداع. إن من التفاؤل والبُشر والحنكة والحكمة أن نحدد أين نقف، وأن نتعرف بالتحديد على مناطق ضعفنا، ثم نستشرف رؤيتنا من خلال زجاج صافٍ بلا عتمة.
إن الوصول إلى القمة هو أن تنظر إلى أعلى وهو التفاؤل مع الهمة والقوة واستخدام الأدوات الصحيحة .. إن التشاؤم واليأس أن تنظر إلى تحت، يرهبك العمقُ السحيق، ويشل رقبتك التطلع إلى فوق، فتبقى معلقا بين الخوف والشلل. لن نستمد قوتنا إلا من بيننا، وبتساندنا، وتصارحنا، وتبادل الرأي ضمن مؤسسات صحيحة بإجراءات عملية صحيحة. وردم الهوة بين المسؤول والمواطن لا يمكن أن يكون بالشجب والغضب، ولكن بتبادل الثقة، واحترام ذكاء العامة. أرى القوائمَ والتصنيفات العالمية ضدنا مناسبة ممتازة كي تتحد عقولنا مع قلوبنا، جهودنا مع صدقنا، ونتعرف على نقاط ضعنا التي طالت وتكررت .. وننفض السجادة من جديد.. ونرسم المستقبلَ بحماسة فريق صاعدي الجبال الذين تتحدد مصائرهم، بعد الاتكال على الله، ثم على كل عضو في الفريق. لست خائفا من أي تصنيف ولست غاضبا، ولن أنتقص من أمتي .. ولكني أتلمس الفخرَ من جديد .. ولا أنام عليه!