"بلادُ الخير والأمان" جملةٌ تحتاج لمراجعة
سنة النشر : 28/01/2012
الصحيفة : الاقتصادية
ناموسا حياةٍ خالدان؛ الفقرُ والجريمة. وبنيتي أن أخلص القولَ والرأيَ ورب السموات يشهد عليّ، ويحاسبني. لا بد أن نعترف بأن الفقرَ في بلدنا تفشى، وأن الجريمة لم تعد أسطورة من الأساطير، صارا واقعَيْن مُعاشَين بأنحاءِ البلاد.
ونكران ظاهرتين أزليتين نكرانًا صريحًا لنتغنى بوفرة عامة، حتى وإن كانت مناظرُ الفقر تسد العيونَ، أمرٌ أصفه بالتصخّر الشعوري.. نفاقٌ حتى النخاع. وحشيةٌ سافرةٌ أن يرى أحدٌ أو يعلم عمن ينام عاصرًا يده في تجويف بطنه من وطأة الجوع، ثم يغني أمامه أغاني الشبع.. فيلغيه، ويلغي معاناته من الوجود.. ولكنه لن يستطيع مهما فعل أن يطمس ما يملأ الواقع، ويعجّ في الأماكن، وأني أهنئ من يدّعي أن الفقرَ غير موجود، ولا الجياع، والأمان يشمل البلاد من أقاصيها لأقاصيها؛ لأنه حقق فوزًا صريحًا في مسابقة شطب الضمير، وإلغاء القلب.. وسد العيون! وهل هناك بلدٌ مهما ملك من الكنوز والصناعة والمصارف يخلو من الفقر على وجه الأرض؟ لا. هل هناك بلدٌ ولو كان مدرعًا بالحديد من أقصاه إلى أقصاه يخلو من الإجرام واختلال الأمن؟ كلا. فمقياسُ الدول ليس هكذا، ولا التصور أننا في جنة على الأرض، هذا لا يجوز منطقا وعقلا وآلية حياة.
فإن خدَّرتَ الناسَ ألا يتحذّروا، أسوأ من أن تبالغ في تخويفهم من الشرور ومكائد الأيام.. لأنك في الأولى تسرق أهم ما يملكه أي كائن أرضي؛ غريزة الترقب والحماية. بدون تلك الغريزة يصير الكائنُ عاريًا أمام أقل الأخطار.. وفي الثانية لا يهم إن جعلت الناسَ يضعون بدل القفل قفلين على أبوابهم، ويدققون كل يوم لحماية مقتنياتهم، ويحرصون على ذهاب وعودة كل فرد بأسرتهم.. في بلدنا الجريمة زادت والسرقة انتشرت تلوِّثُ وجوهَ المدن، ولم يعد هذا خافيا على أحد، وامسك من يمشي في الشارع وسيقول لك قصة شهد عليها، وليس فقط نقلها.. إذن، يجب أن نتكاتف حبا في بلدنا لحمايته، حتى وإن غلـّظنا التحذير؛ كي يزداد الحرصُ لحماية الأفراد والممتلكات، والبلاد والعباد.. وهنا فأنت تحب بلدَك وناسـَك؛ لأنك تخاف عليه.. وعليهم. والفقرُ؟ لله منه ما أوجبَ وجوده.
وهنا نؤمن بالعدل الإلهي، وإلا لقلنا لماذا يقدر الله الفقرَ على ناس؟ وكان بإمكانه تعالى أن يجعلنا كلنا لا نتحرك من ثقل المال والمقتنيات. أراد الله الفقرَ لحكمة، وخصّ الفقرَ والفقراءَ في كتابه العظيم، فلا يمكن أن تكون هناك بلادٌ لا ينام فيها جائعٌ أبدا، وهي حكمةٌ خالدة. الفقرُ موجودٌ لامتحان الصبر والمحبة الإنسانيتين، وليكون طريقا، بإذنه تعالى، للجنان السرمدية. إن افتقر الواحدُ منا وصبر، وجاهد أن يعمل كي يقضي على فقره، فهذا عملٌ محسوبٌ عند الله، بل يكون هنا الفقيرُ أهم عند الله من أكبر أغنياء الأرض، وهو مسببٌ لنشر المحبة بين الناس، وأيقاظ جانبهم الروحي الإنساني الخيِّر والمنير، حين يهبّون لمساعدة الفقراء، ويتطوعون بالمال والجهدِ والتدريبِ والتوجيهِ ليكون الفقرُ أقل حضورًا، وأخف وطأة، التكاتفُ الذي وُصف بالجدار المرصوص، فالجدارُ من أحجارٍ متنوعةٍ وكثيرةٍ صغيرة وكبيرة مموَّشةٍ ومختلفة، ولكنها بتراصها تصنعُ الجدار الوطني الحصين.. وعيب أن نُغمي أعيننا وننكرُ شيئا موجودًا - ولا عيبَ بوجوده- إنما العيبُ بإنكاره وهو يغمر عينَ الشمس.. إن أنكرتَ مرَضًا فكيف تقاومه أو تعالجه؟ كيف تقاوم الجوعَ حين ندعي أن لا أحد يجوع؟ أو الفقرَ ولا فقير، أو الجريمة ولا جريمة؟ بلدُنا زاد سكانُه، كثر وافدوه، وتعقدت شؤونه، وتعددت مشاربُه، وتوسع وتداخل مثل أي أمّةٍ بالأرض، وكما نحصّن أنفسنا من الأمراض المعدية، فإن الفقرَ والجريمة مرضان معديان سريعا التفشـِّي، والدليلُ ما آلَ إليه مجتمعُنا. وفي الجهة المقابلة أظهر هذا جوانبَ مشرقة ومضيئة في مجتمعاتنا، وهم كل من اعترف ووعى أن هناك فقرا، وأن هذا الفقرَ شنيع، وأن كثيرين من ناسِنا ينامون على الطوى، ولا بد أن يُغاثوا. وأن الجريمة تتسع بأقبح أنواعها، ويجب مقاومتها بقوةٍ وتصميم وحزم.. لذا، هم ناس تطوعوا لله قبل كل شيء. وهذا من روحِ ناسٍ ضمائرُهم لا تقبل أن تتحول صخرا!