العملية التطويرية

سنة النشر : 30/05/2009 الصحيفة : اليوم

 
.. كل ما علينا أن نعمله من أجل بلادنا ومن أجل أنفسنا، أن نحرص بدقةٍ وثباتٍ ورؤيةٍ للعمل الجاد، وهذا العملُ الجاد لا يكون إرهاقا للنفس من أجل نتيجةٍ مظهرية، أو من أجل صنع تلةٍ من الرمال نخبئ وراءها نقائصنا وعيوبنا، إنما هو العملُ الجاد المبني على الهدف الواضح الصحيح المنتج النافع، الذي يأخذ الأمة درجة درجة، مرحلة وراء مرحلة، ولا نستحي لحظة أننا في هذا الصعود تنفرُ أخطاؤنا، وتنكشف أعضاؤنا المعيبة لأننا ماضون في إصلاحها وتقويمها فلا نبالي مادام أننا نتسلق للأعلى.
 
أتمنى أن يدرك كل واحد منا أن الأمّة مجموعة من البشر، كل واحد منا عليه أن يراعي أنه إنسان، والإنسانُ بطاقاتٍ محدودة، والتعدي فوق هذه الطاقات يعني تحميلاً زائداً من الطاقة قد يؤدي إلى تعطل الطاقة كلها، تماما كما يحدث للشبكات الكهربائية عندما تزيد أحمالها فوق سعتها، وتكون النتيجة .. الظلام.
 
وهكذا الأمة لها طاقاتها فلا يجب أن نطلب لها السماءَ دفعة واحدة، وهي بعد لم تتقوّ أجنحتها للطيران .. علينا أن نفهم القواعدَ المنطقية الحتمية في أي عمليةٍ تطوريةٍ وتطويرية.
 
إننا نخادع قوانا المتوافرة لنطلب من أمتنا أن تبلغ قمة الجبل بدون آلام الصعود ومشقته فقط لأن لدينا المصدرَ المالي الآن، لأنه لا المال يقدر على التسلق وحده، ولا يعني أننا وصلنا إلى أية قمة إذا استأجرنا بأموالنا من يقوم عنا بعملية الصعود.
 
إن استعمال أي طاقةٍ أكبر من جهدها، أو وضعها في غير محلها، أو تسريع أدائها هو مثل التغذية بالهرمونات الممنوعة والضارة التي يستخدمها بعض الرياضين فيحرثون الأرضَ طاقة لفترةٍ ثم يمرضون.
 
ونعرف من السجلات الطبية في المستشفيات وعيادات النفسانيين أن كثيراً من الأذكياء الجادين أرهقوا أنفسَهم سعيا للكمال، وهم في طريق المستحيل تعطلت خطاهم فوقفوا تماما، شـُلـّوا! لأن الساعي المتحمس للكمال لا يتحمل المنافسة ولا يتحمل أن يتفوق عليه أحد، وهذا مستحيل لاختلاف إعدادات الأفراد واستعداداتهم.
 
فبينما تجري الماكينة ذات الطاقة الحصانية الكبرى بأقل من خمس ثوان لتصل لسرعة المائة ميل في الساعة، فلا يمكن أن تحاول ذلك في مكنة بالكاد تجر حصانا واحدا.. ولا يستسيغ المنطقُ أن تعبر شاحنة سمينة نفس المسافة في نفس الوقت مقارنة بسيارة رياضية رشيقة ومتغطرسة، مقارنة لا تجوز كمقارنة المستحيل بالمستحيل، لكن تلك الشاحنة الثقيلة بإمكانها أن تحمل عدداً من السيارات الرياضية على ظهرها، ولا تستطيع السيارة الرياضية أن تحمل عجلة من عجلات تلك الشاحنة، وبمعنى مقابل : هي القدراتُ التبادلية والتعويضية، أي أن تستفيد من مكامن قوتك، ولا تحاول عسراً أن تجبر مكامنَ ضعفك على أن تنافس مكامن قوة الآخرين.
 
حين نعرف الطريقة لإخراج طاقاتنا الحقيقية، لا التوهمية، لا أكثر، ولا أقل .. فإن هذه المعرفة هي معبرٌ من المعابر نحو الكمال.