منتديات أم ساهك
سنة النشر : 20/06/2009
الصحيفة : اليوم
الأماكنُ لها قدرة على التجاوب ضمن عناصر الوجود البشري، لذا فهناك أماكنٌ نحبها، وأماكن لا نحبها، وأماكن لا تعني لنا شيئا، نحب البيتَ الذي عشنا فيه، ولا نحب مثلا غرف التوقيف في مخافر الشرطة، ولا يعنينا مكان عابر.. وأجمل شعور عندما يتجاوب الفرد والناس مع المكان فيحبونه، وعندما يحبونه تأكد من أنهم سيرونه قلب العالم .. وعاصمة الأرض، لما دعاني جماعة «منتديات أم ساهك» لمناسبةٍ يقيمونها من أجل الاحتفال بمنتداهم على الانترنت، والذي تجاوز عدد زواره الخمسين ألفا، لم أتوقع كل ما سيحدث بعد ذلك.
طلبت من العم أحمد الزامل أن يرافقني، وهو الجبيلي العتيق، وكنت أقول له بالسيارة: هل تعرف أني لم أزر أم الساهك منذ فجر الزمن، ولم أظن أني سأذهب إليها، وهنا عقد عمي حاجبيه، ومسح نظارته، وأعادها إلى عينيه، ثم علق مستنكرا: وهل هناك أحد يتجاهل العاصمة، أو يستطيع ؟ وحسبت أن عمي أحمد يضحك فهو رجل لطيف الظل، عبق النكتة، سريع الخاطر.. ثم كأن العم أحمد قرأ ما في قلبي، فعلق بسرعة: أهل أم الساهك لا يسمونها إلا العاصمة.. وفهمت معنى تعلق الناس بأماكنهم ومدنهم ومقارهم، إنه نوع من الحب الجميل رأيته بعيني في أم الساهك.
إني من الناس الذين يسعدهم الانتماء، فبرأيي أن الانتماءَ من عناصر الهوية الإنسانية، وأن الانتماءَ هو الذي يُضفي على الوجود الفردي اللونَ والشكلَ كي يصير مرئيا اجتماعيا، أو أسَريا، أو مناطقيا، أو دوليا.. وكأن الإنسان بلا هويةٍ ولا انتماء يكون بلا شكل، شفاف غير مرئي، حتى وإن كان وجوده سابقا لانتمائه، فالانتماءُ هو اللون الذي يُظهـِر الوجودَ الخفي، ويعطي الإنسان شكلا مرئيا وخاصا يجعلنا نراه ونفرقه عن الآخرين.
أهل أم الساهك علموني ذلك في ذاك المنتدى، علموني مغزى الانتماء وأن له بُعداً غير الإظهار المادي، وهو الفرحة الطاغية بالانتماء، وكأن الانتماء هبةٌ من الهبات، وهدية من الهدايا.
لم يكن الاحتفالُ في ذلك المكان الكبير من أجل الموقع الالكتروني فقط، فقد كان تعبيرا عن تعلق أهل أم الساهك بها، وخجلت من نفسي، وخفت أن يعرف من خجلي أهلُ أم الساهك تهاوني بمدينتهم، فيعلنون عليّ حربا، ولكنهم في الحقيقة من ألطف الناس، وفوجئت فوق تعلقهم بمدينتهم بأنهم مجموعة من المعطائين العاملين من أجل مدينتهم، وأنهم مثقفون، وشعراء .. ولا تخلو موادهم التعبيرية من الكلمة المحببة «العاصمة».
كنت غارقا في التفكير والسيارة تتلمس طريقـَها للخروج من أم الساهك، وفي كل لوحة أو منعطف تجد كلمة «العاصمة».
إن المدنَ لها جاذبية مع عناصر البيئة المحيطة من بشر وهواء وتراب، وأن السر هو الانتماء، ولو انتمى كلٌ منا لمدينته كما رأيت في ام الساهك، لانتمينا لمنطقتنا، ولزاد انتماؤنا لبلدنا.
إنه درسٌ تلقيته في العاصمة، درسٌ بلا كلمة وعظٍ واحدة .. درسٌ سيبقى، وتجربة لن تُنسى.