أمطار

سنة النشر : 25/06/2009 الصحيفة : اليوم

 
.. لما وجه طاقمُ إدارة «أمطار» الدعوة للمهندس علي بن صالح البراك رجل الكهرباء الأول في البلاد، قلت لهم مترددا، وهل سيكون جائزاً أن ندعوه والصيف قد لوّح بقبضته اللاهبة تهديداً ووعيداً؟ خصوصا وأن خبرتنا بأمطار علمّتنا أن بعضَ مرتادي المنتدى يأتون كالقروش السابحةِ في الأعماق وفي الضحل من المياه تتصيّد طرائدَها في أوّل غفلةٍ، وفي أول إفصاح ظهور.
 
لطالما أُخِذْنا بحرجٍ شديدٍ عندما نُصعَق بانتقاداتٍ حادةٍ ضد شخصيات أمسيات أمطار كسكاكين الساحر الاستعراضي التي يرشقها حول شخصٍ مُكبـَّل فتكاد أن تشق جلدَه بصوت الرشق القريب.
 
بعضهم يأتي للرشق لهواية الرشق وترويع الضحية، وبعضهم يكون حادا خاما بلا تعديل لمخارج الألفاظ ويكون صادقا في قلبه فيما يفوم من انتقاد، والنتيجة واحدة، أن الضيفَ يلقى عنـَتا في الرد، ونحن نغرق في كراسينا حرَجا، فعندما يكون شخصٌ في مكانك، فليس الصحيح أن تكشف صدرَه عارياً ليُرْشـَقُ بالسهام الحادّةِ مكبّلاً على مقعدِهِ معزولاً، وكأنك خرقت ميثاقَ وعهود الحماية وصيانة أمان من جاء للمكان.
 
ولا يمكنك أن تمنع المنتقدين ولا يجوز، فالناس أتوا من أجل إما الانتقاد للمصلحة، وهؤلاء تحترمهم ويُثرون المناسبة خصوصا من يتحلى منهم بذكاء اللياقة التعبيرية مهما حمل من متفجرات الانتقاد، ولا يُسْتساغُ أن تُسْكِتَ أو تمنع حاضرا من الكلام مهما شدّ وخرج عن سكة اللياقة التعبيرية.
 
ميزانٌ ضبطه كمن يلتقط كراتٍ ليلتقطها مرة واحدة.. لذا دار السؤالُ في إدارة أمطار هل نؤجل الدعوة لأوائل الشتاء، ويكون الناسُ قد عبروا مشاكل الصيف وضراوة انقطاعات الكهرباء؟ إلا أن الجميعَ اتفق أن «أمطار» وضعت من أجل المساهمة مهما صغر الدورُ في طرح مشاكل المجتمع الرئيسة والمساهمة في وضعها مكشوفة أمام الجميع تلمسا للحلول، وتحميسا لأصحاب القرار ببذل مجهوداتٍ أكبر، وليسمع المسئولُ القطاعَ العريضَ الذي يخدمه، آراءٌ لن تشابه ما يسمعُ في محيط بناء إدارته.. طبيعي!
 
وكان البرّاكُ وإدارتـُه قد قاموا في أسبوع المناسبة بشيءٍ غير معتادٍ من إداراتنا الخدمية الكبرى، وفيه حنكةٌ ودهاءٌ إداريّان، النوعُ الذي يسمى في استراتيجيات الحروب بالدفاع الوقائي، أي بالتخندق ضد الهجوم قبل أن يحصل.
 
نزلت إعلاناتٌ على صفحاتٍ كاملة في الصحف السعودية من شركة الكهرباء تقول: نعم لدينا معيقات، ورجاءً ساعدونا.. وبحذقٍ وواقعيةٍ مدروسة رمَتْ شركةُ الكهرباءِ الكرةَ في مرمى المستهلكين.. أو بشكل أكثر دقةٍ وإنصافا، دعت المستهلكين للـَّعِبِ معها في ذات الميدان.. فتحقق ماصٌ للصدماتِ عبر الأمّة.
 
إجراءٌ وقائي يُدَرَّسُ في استراتيجيات الإدارة. ولما حضر البراكُ إلى «أمطار» مارس نفس الآلية، وكان يعرف أنه يتكلم لعقولٍ متخصصةٍ ومتحفزة، فكشف كل مشاكل الشركة على الطاولة، ووضّح بالقرش والهللة كيف أن الشركة من أكثر شركات العالم التي تقدم الكهرباءَ للقطاع العريض من الناس بأرخص من تكاليف إنتاجه وتوزيعه.. وشرح برجاءٍ مدلـَّلٍ بالأرقام ومنطق العلم بأن لا حل أمامه، ولا أمامنا إلا : الترشيد. لا غير. وإلا عرّضنا أنفسَنا جميعاً لمفجآتٍ أكبر، مفاجآتُ لن تكون سارة.
 
الغريب الذي حدث بعد ذلك، المداخلون صاروا يشدّون عضِدَ الشركة، ويدعون للترشيد، ويقدمون الحلولَ، أو ينتقدون انتقاداً موضوعياً أفاد الجميع. ونجح البراكُ في كسبِ حربٍ لم تـُشن عليه بعد.