مسئولين شامخين

سنة النشر : 04/07/2009 الصحيفة : اليوم

 
..أعطونا مسئولين شامخين مثل تضاريس هذه الأمة. أعطونا مسئولين لهم فكرٌ بارتفاع قمم جبال السروات وشمَمها، أعطونا مسئولين لهم ضمائرُ باتسّاع صحراء الدهناء، أعطونا مسئولين بغنىً عمَليِّ وابتكاري مثل ما تضمره أرضنا من ثرواتٍ في خزائنها العميقة .. أعطونا مسئولين لهم سماحة سماواتنا الصافية الزرقاء. وقبل كل شيء أعطونا مسئولين يخافون الله.
عندها ستكون أمتـُنا بألفِ خيرٍ.
 
أحاولُ أن أكون دائما الأكثرَ تفاؤلا والأقلّ نقداً، لا أقفلُ الأبوابَ بين المسئولين وبيني، وأربط نفسي بحبالٍ سفُنٍ بأعمدةِ رسوِّهم. ويتصيد البعضُ الأخطاءَ، ويعلم الله أحاولُ تصيّد الإنجازَ، مهما قَلّ، لأعملَ عليه، وأشجّعه، وأثني عليه.. فلسفتي هي الرضا بكل شيءٍ، لأن الأمورَ قد تكون أسوأ، ومن الرضا نبدأ بتحسين واقعنا إلى طموحاتٍ أكبر، وأهدافٍ أبعد، وآمَالٍ أفسح .. وعندما تراني منتقداً شاكياً فأعلم أن الموضوعَ جلـَلٌ، وأنه لا يجعلني أنام في الليالي، ولا يتركني أرتاحُ في النهارات.
 
ولقد حدث أمرٌ أقلقني، وأبكاني كثيرا، وقهَرني كثيرا، وكتبتُ عنه كثيرا ( أرجو قراءة مقالـَيْ (لم أعد أحتمل) و(عائشة : الأمة معك) لتعرفوا .. وناشدتُ حوله في مجلس الشورى، وفي المقابلاتِ المذاعة والمتلفزة، وتضرّعتُ لجمعياتِ السرطان، ومكاتب حقوق الإنسان، ووجهتُ السؤالَ لوزارةِ الصحة.. وبينما تفاعلتْ الأمّة كما ستجدون في مقال «عائشة : الأمّة معك» .. لم يأتني تفاعلٌ واحد من الجهاتِ المعنية بالأمر المسبِّبـَةِ للموضوع أو المُناط بها متابعة الموضوع.. وعجبتُ، يملأني حزنٌ عاصرٌ : لمَ؟ ما الذي جرى لمسئولينا؟ هل أقفلوا عيونهم، وسدّوا آذانَهم، وكمَّموا أفواهَهم؟
 
وأخُصُّ هنا الجهةِ المسبّبة، وزارة الصحة، وكلي أملٌ أن يخرج هذا المقالُ كما هو لثقتي بضمير القائمين على هذه الجريدة، آمِلا أن تكون هي المِنـَصةُ الناجحة لإنطلاق الصرخة، بعد أن فشلتُ في باقي المنصـّاتِ.
 
عائشة مصابة بمرض من أمراض الرحمة النادر، من الثدي بدأ، لينتشر سالخاً الجلدَ بضراوةٍ، ولم يكن هناك لها علاج في العالم إلا بمستشفى «مايو كلينك» بفلوريدا الأمريكية، وعندما بدأتْ صحتها، وبأمر الله ورعايتِهِ، بالتحسن، أفاد طبيبُها أنه يتطلب بقاءها لمدة ستة شهورٍ أو سنة لتشفى تماما بإذن الله.. وكان الإنجازُ فوق التوقع، وعائشة وعائلتها في فرحٍ بعد ملاحم من الألمِ والعذابِ الذي يفوق طاقة البشر.
 
حتى فـُوجئتُ بمكالمةٍ من أخيها خالد، الذي باع وأسرتُه ما يملكون واستدانوا من أجل معالجتها قبل إرسالها من قبل الدولة، يقول فيها : «جاء أمرُ الملحقية الصحية السعودية بواشنطن بوقف علاج عائشة وإعادتها للبلاد. ومع خروج تقريرِ صريحٍ من «مايو كلينك» بخطورة خروجها على حياتها، إلا أن القرارَ تمّ نتفيذه. وهنا ناشدتُ وتضرّعْتُ، وبكيتُ وأبكيتُ.. ولكن لا أحدَ في الجانبِ الآخر، أو أنّ مقالاتي لا تصل لأبعد من أنفي.
 
بعهد الوزيرِ «المانع» كان يهاتفني في أمورٍ، وكذلك الدكتور الحواسي وكيل الوزارة والدكتور خالد من العلاقات، قد تـُحل القضايا وقد لا تـُحل، والآن لأمرٍ ما لم ينطق أحدٌ حتى ولا للنفي أو التأنيب. طيّب، قد تكون هناك قصة أخرى تبرّرُ هذا الأمرَ الفظيع، الأمرُ بالموت على امرأةٍ سعودية، بينما نقدم العلاج الباهظ لغير السعوديين، ونحن مع ذلك ولسنا ضده، ولكن أليس الأقربون أولى بالمعروف؟
 
التهمةُ كبيرةٌ لحدِّ السماءِ يا وزارة الصحة، رجاءً أفرحوني، قولوا.. إني كاذب!