سيدُ القوم من يخدمهم!
سنة النشر : 16/07/2009
الصحيفة : اليوم
.. وأنا في قمةِ مزاجي المرتبك حول لبِّ معنى المسئولِ والمسئولية، أتلقى اتصالاً من مسئولٍ جديرٍ بحمل الصفةِ، وما أرى أعظم من حمل المسئولية، وهي محمولة في الضمير كما يحمل الصائغُ أغلى الجواهر وأثمنها.. بل أكثر، لأنها حَمْلُ ما هو أهم من أغلى كل جواهرِ الأرض.. مصيرَ الناس! والرجلُ يقول لي إنه يأمل ظهور برنامجٍ كاملٍ كي يُعاملَ المواطنُ في الدائرة الحكومية معاملة الخمس نجوم، كما قال حرفياً.
أي أن تُسَخـَّرَ كلّ خدماتِ الموظفين من أجل المواطن، فيحتفون بهِ، ويجرون لإنهاءِ مصلحته بدل أن يجري هو وراءهم، ويترضَّاهم.. وكأنهم هم المتمنـِّون، المتفضـِّلون، وهو كسائلٍ يطرق البابَ طلباً للحَسنة.. وحين يسمع المواطنُ هذا الكلامَ فإنه سيقول: من قال إني أريد أن أُخْدَم خمسة نجوم، أو حتى أربع؟ هم على رأسي، أنا أتشكرّهم، فكل ما أريده أن تـُنجَزْ مصالحي، ولو أسرعوا قليلاً فسنقبـِّل منهم الجباهَ.. خمس نجوم، هاه؟! نعم، إنه كلامٌ يبدو حالماً مثالياً طوباوياً، إنها «اليوتوبيا» على الواقع.
يعني لا تحصل.. ولن! هل هذا صحيح؟ هل العثورَ على موظفٍ مسئولٍ يضعُ الناسَ على رأسِه، ويجعلهم صوبَ عيْنـَيْهِ، ومصبَّ كل اهتمامِه وواجباتِه، هو كالعثورِ على الغول والعنقاء. بل إن بعضنا يقول، حتى وإن وجدناهما، فلن تجد المسئولَ الذي يعامِلُ المواطنَ معاملة الخمس نجوم.. شيءٌ أكبر من الواقع.
وأقول لا! وُجِدَ في الماضي، فلم لا يكون في المستقبل؟ أحدثك عن مسئولين طبعوا تاريخـَهم وتأثيرَهم على أجيالٍ كاملةٍ من بعدهم، وبقوا مناراتٍ إداريةً هاديةً في بحرٍ كثير اللُجَجِ وضياع الاتجاهات.
منذ بدأتُ أعي، وأنا أسمع باسم «زين العابدين» الرجل الحجازي الذي قدم للجبيل في أواخر الأربعينيات، ليعلـِّم في أول مدرسة أولادٍ أقيمَت بها.. لم ينسَ أهلُ الجبيل هذا الرجلَ حتى الآن، وتوفي والدي يرحمه الله وهو دائم الذكر للرجل، وكل من هو في جيله وكل من ينتمي للجبيل من الأجيال التي لم تعش مرحلة زين العابدين تعرفه لأن أهلَ الجبيل من ولعَهم بهِ، أرَّخوا مرحلة من مراحل الجبيل بزمن وجودِه معهم.. لأنه عاملـَهم معاملة السبع نجوم وليس خمسا فقط.
والسفيران «الشبيلي» في الهند وماليزيا وتايلاند لا ينساهما أحد ممن حطـَّتْ به الرحالُ في أي من تلك البلدان في فترةِ وجودِهما، بل صارا كالأسطورة الحاتمية مما تناقله المسافرون عن كرمهما الشخصي وعنايتهما بكل فردٍ فوق طاقةِ أي سفير.. وأسطورتُهما نابعةٌ من أنهما عاملا الناس معاملة السبع نجوم، وليس الخمس فقط.
ومن درسَ في مدارس مدينة «رحيمة» سيعرف قطعاً الشخصية التربوية العفوية الفذة «جاسم الأنصاري».. بمخيلتنا كنا نراه كما يرى الأغارقةُ أربابَ الأساطير، طويلاً عريضَ التكوين، هائلَ الشخصية، جادّاً حتى النهاية، ومحباً لعمله وتلاميذه فوق التصوّر.. أحبّه أهل رحيمة وليتهم سمّوا ميدانا أو شارعاً باسمه، لأنه عاملَ الناسَ معاملة السبع نجوم وليس الخمس فقط.
ورأيت بعيني كيف بكى أهلُ القطيف مغادرة مدير مستشفى القطيف الأستاذ «صالح الخنيني»، وقالوا فيه الشعرَ وبكوا على المنبر، لأنهم يعرفون حجم فقدان من عاملهم معاملة السبع نجوم لا الخمس فقط.. وجودُ المسئول الشامخ ليس استحالة..
ولكن كيف؟ سؤالٌ معلق لن نجيب عليه إلا إذا درسنا تاريخَ أولئك الشوامخ، واستوعبناه جيدا.. وحكيم الكنفوشية «ران» يقول، أشجعُ الناسِ هو من يستطيع أن يحبّهم.. ونحن نقول: سيدُ القوم من يخدمهم!