سنة النشر : 03/09/2009 الصحيفة : اليوم
.. حسنا كنت قد وعدتكم بإكمال تأملات السبت قبل الماضي، على أن شيئا طرأ، ولن يمكنني أن أؤجله.. فسأستسمحكم لأخبركم عن تطوراتِ أوضاع بناتنا وأولادنا المتروكين في الفلبين.. فبرأيي أنها مسئوليتنا كسعوديين وكمسلمين.
•• الابن سالم : حدثتكم الخميس الفائت عن سام، الذي تركه والده يسأل في أزقة مانيلا مع أمه المشلولة، وتوفيت بعد ذلك، وكان اسمه سام، وغيرناه في رابطة العودة للجذور، إلى سالم، وعن مرضه بمرض الرحمة. ومن يقرأ المقالَ يرى أني وصفت طبيبه المعالج بالبرود، وكان هذا يمثل سذاجة واستعجالا وحكما سريعا مني. لقد أخطأت في الحكم قبل أن أعرف ماهيةّ الرجل. هاتفني في اليوم التالي، وطلب مني أن أحضر للمستشفى لأن سالم يريد أن يراني كما قال. اتصلتُ ببعض أعضاء السفارة والأولاد والبنات من الرابطة، ومن وجدتهم ذهبوا معي لزيارة سالم.
مد سالم يدَه الصغيرة المهزولة وما زالت بعيني البقع الخضراء من أثر أبر المغذي الوريدي على ظاهرها، وشدّ على يدي، وأبقاها، وأبقيتها. كان باسما مضيئاً، فتقدمت البنتُ صالحة، وهي سعودية أمها مسلمة من المنديناو. تركها والدها بعد أن علمها أصول الدين واستمرت هي تتعلم. تركها في العاشرة ولم يعد أبدا، واندفعتْ تلقن سالم الشهادة لمدة ساعة بتواصلٍ وإصرار، وهو يردد معها بصوت مصحوب بصفير مخنوق، بذات الحماسةِ، حتى أسلم الروح. لم نحزن، بل عمّنا رضا عميقٌ وترحمّنا عليه، وتكفل البعضُ بمتابعة دفنِه. لقد شعرنا جميعاَ بأن سالم أحسّ بطعم عائلته، وأنه أخيراً عاد لوطنه .. فنسألكم الدعاء له فليس ذنبه أنه لم يتعرف على دينه طيلة حياته.
•• الابنُ نوّاف : جمعنا بعض أولادَنا المتروكين في مكتب مدير قسم الرعايا في سفارتنا الشاب الدؤوب الإنسان «إبراهيم المالكي»، الذي أعقدُ عليه آمالا كبارا وعلى سفيرنا محمد أمين ولي بعد الله أن نرسّخ وجود وكيان واستمرار «رابطة العودة للجذور» ليتعلموا دينـَهم، ويعرفوا وطنهم، وشاركنا الأخُ العزيز هشام الزامل، وكان هناك راشد بسماره الجميل، ونواف.. وغيرهما، وكان نواف بالذات يجذب العينَ من أول وهلة، فهو وجهٌ سعودي تجده في ميادين الرياض، وقرى القصيم، وشوارع جدة، وسواحل الشرقية، وعيناه واسعتان حائرتان تنبعان من شيءٍ غريب لم نعرفه. بعد الاجتماع والحديث، خرج الأولادُ، وأقول لكم : خرجت معهم قلوبُنا، لأننا نعلم أن شوارعَ مانيلا ستستقبلهم ولن ترحمهم، إن لم نرحمهم نحن .. على أن نايف عاد، بعد أن خرج الجميع، وأراد أن يقول شيئا .. على أن عينيْه فاضتا بالدموع فانقضّ عليّ مقبلا، وعلى الأخ هشام، وعلى الأخ إبراهيم. عرفنا إذن بما تبرقُ به عيناه : بالشوق والمحبة.. بكى، فبكينا.
•• شريفة : شريفة شابةٌ رائعة، يفخر أي أبٍ بأن تكون ابنته، ذكيةٌ جدا، رصينةٌ جدا، جادةٌ جدا، وشاركت ممثلة عن الفلبين في مسابقة النقاش بدورةٍ عالمية بنيويورك وفازت بها. خطفتها الأممُ المتحدة، ثم لفتت نظر السفيرَ القطري الصديق عبد الله المطوع، وأخبرَنا عنها. وقتها كانت ترتدي الصليب، تفاهمنا مع السفير القطري وتوظفت بالسفارة السعودية، ويقول لي السفيرُ «محمد ولي» إنها أضافت كفاءة نوعية للأداء المكتبي في السفارة، ولا عجب وهي المتفوقة حاملة شهادة الماجستير ومن عائلةٍ سعوديةٍ عريقة. شريفة الآن تقرأ القرآن الكريم ، وتصوم أول رمضان في حياتها، وترتدي العباءة وتحرص على الصلوات الخمس، وقالت لي شيئا لن أنساه : «أنا أعرف معنى الهداية أكثر من أي شخصٍ آخر».
•• أملي في كل واحد منكم أن يدعو الله لتوفيق «رابطة العودة للجذور»، وأن تكبر وتستمر، لتنتشل أولادَنا وبناتنا من ضياع الهوية والأخلاق .. والدين، وأن نساهم كلنا في بقائها.