حب الوطن
سنة النشر : 24/09/2009
الصحيفة : اليوم
شاع من يضع دبوسا بشعار البلاد على لباسه، او يعلق علما او شعارا على سيارته كي يعبر عن وطنيته وحبه لبلاده، او صورة العاهل كرمز تجتمع حوله الامة، وكلها دلائل ظاهرة على الفخر بالوطن.. ولكن حقا ما الذي يجعلنا او يجعل أي احد يتعلق بالوطن؟
يتفق العالم ان حب الوطن وصيانة مصالحه واجب لا يناقش في مسألة وجوبه، لذا ليس هناك بلد في الارض لا يعتبر ان من يتعمد تخريب مصالح وطنه خائن، والخيانة دوما تلقى اكبر عقاب تنص عليه دساتير وشرائع الدول. على ان الواجب شيء، والمفروض شيء، وان تحب بقلبك وارادتك وتشعر بالامتنان لبلادك شيء آخر.. النوع الاول يؤخذ كما هو، لذا يقع تحت طائلة العمل والجزاء.
اما ما في القلب فيبقى الاهم والاقوى وبينما يقود الثاني للاول لا يكون بالحتم ولا ضرورة ان يقود الاول للثاني.. فكلاهما عالمان يختلفان، عالم الفرض والتماسك الجمعي، والحماية الفردية، وعالم القلب وما في الضمائر.. العالم الاخير هو الاصفى وهو الابقى، وهو العنوان الاسمى الذي يقود لباقي العناوين.
وبما اننا بمعطيات الظرف والموضوع لا يمكننا مناقشة امر مفروض وواجب لانه متعلق بالعمل المادي المرتبط بالنص القانوني او الدستوري، ولكن الابواب مشرعة لمناقشة ما يكمن في عالم العاطفة المنقطعة، والمحبة الطوعية التي لا يدفعها جزاء ولا يمنعها عقاب.
لذا نعاني من خلل في تعليم اولادنا الوطنية بالمنهج الموضوع، وبما يدور تقليديا في الاعلام، لان التركيز على الواجب، لا على الطوعية .. على ما اعطاك بلدك ماديا لتقدم له العرفان والشكر، لا اذكاء جذوة محبة تنبع من اصل الكيان وكامل الوجدان، لان هناك شيئا اكبر من العطاء المادي ولان العطاء لا يقاس بالعمل الامتناني ولا الخدمة القائمة على الشكر، ولكنه قائم على نبع زلال بلا قرار هو ما نسميه.. التفاني.
والتفاني فعلا يأتي من جذر الكلمة فناء.. وذاك في اللغة لا في المتعارف، اقترضت اللغة معنى الفناء هنا لاثبات قوة العطاء المتواصل للمحبوب بلا تعب، بلا ظهور، بلا ادعاء، بلا توقع قبول مادي سوى ان يبقى المحبوب محبوبا.
وبينما يبقى حب الواجب والفرض معرضا لكونه قابلا ان يكون عتبات تسلق للحماسة الفائقة غير النافعة، وربما للتصفيق بداع وبدون داع والتطبيل حتى لا جوقة مناسبة، والاحتفال بدون دواعي الاحتفاء، فيصير طفحا زائدا ومضرا ومخلا بتركيبة الوطنية الحقة .. يبقى حب القلب المتفاني هو المولد الحقيقي لشجاعة النصح للحبيب وبذل النفيس رخيصا من اجله والحفر في الارض الصخرية لتفجير شلالات الابداع التي تدفع الوطن لمناوشة الذرى.
حب الوطن الحقيقي هو المرساة الخفية الراسخة حين يشعر الفرد انها الارض التي ولد عليها، الارض التي يمشي عليها اعز الناس واحبهم اليه، الارض التي يشعر فيها بكرامته الفردية، وامانه العائلي، ورزقه مقابل عمله، ولا فرصة باعطائه العمل وهو قادر على العطاء فيه، الارض التي يشعر ان جاذبيتها تحمي توازنه وثباته وتدفع حركته للامام..
الارض التي يرى فيها حاضره ويستطيع ان يطل بها على مستقبله.. انها الارض التي ليس لها بديل، والحب الحقيقي يعني : ألا تجد شبيها ولا بديلا لمن تحب!