المنزَّهين

سنة النشر : 26/09/2009 الصحيفة : اليوم

 
.. رنّ الهاتفُ وأنا بين النوم واليقظة، وإذا بصوتٍ انثوي غاضبٍ مزمجرٍ ويفحّ كصوتِ ذبيح:
 
- أين أنت؟ ولماذا تصمت؟ أنت مسئولٌ عما حدث لي، يا ما زيّنْتَ لنا الشبابَ وصوّرتهم بخيالنا كورودٍ ترسلُ العبير. كيف ترضى ما جرى لي؟ ( ثم إجهاش بالبكاءِ.. بل نياح ينزع الأحشاء من حواضنها) أنتظرُ أن ينتهي هذا الصوتُ الذي كالمديّةِ المثلومةِ يشرّح لحمَ القلب ويقطّع وشائجَ النفس.. وأستغرب عن ماذا تتكلم هذه الفتاة.. لا أدري، سوى أن صوتَ البكاءِ يتعالى وأسمَع كيف تشرق رئتاها بالدموع، وتلهثُ لالتقاط نفَسٍ لإخراج صوتٍ مستعصي الخروج..
 
ثم عادت مرة أخرى: - أنت مسئولٌ عما حصل، فأنت تبيع علينا أفكارَك، وتقول تفاؤلوا.. سهلٌ أن تقول هذا، ولكن تعال أنظر ما حدث لي، لو حدث لبنت من بناتكم.. لا نتحرت! واه..
 
- أنت مسئولٌ، فلك تفتح الصحُفُ أعمدتَها، ويفتح المسئولون لك أبوابَهم، وأنت في مجلس الشورى، وتبشرنا كل يوم أن الشبابَ هم كما أنقله عنك « رحيق الحياة».
 
لقد ضيّعتني لما حفظتُ مقالاتك، وآمنتُ بك، وتشبثتُ بكل كلمةٍ قلتها وكأنك من المنزَّهين.. ولكني أُخذتُ خِتلة، وخـُدِعتُ.. وأنت مسئول.. ( ثم بكاءٌ.. وبكاءٌ.. وكلامٌ محشوٌ بالدموع بهمهمةٍ غير مفهومة.. غير تكرار: أنت المسئول، أنت المسئول..)
 
- خرّبتَ بيتي.. خربت بيتي، تبخّر عقلي، وإن جُننتُ فأنت المسئول! واه.. لقد فرت دقاتُ قلبي من رتابةِ نبضِها.. وقلت لنفسي: «ربّاه.. ربّاه.. ماذا فعلتُ؟»
 
- أترضى أن .. أنّ ( نياحٌ لا يطاق لدقائق تمر أمامي كمن يرى بعينه منشارا يمزق لحمَه وينتظر أن يصلَ لعظمِه.. رعبٌ مع غموض، مع حزنٍ غير مُدْرَك، وإحساس مزَعْزِعٍ بالذنب، ويتقلـّبُ على سفود الألم لأنه لا يعرف ما الذي ارتكب..) أترضى أن يجرّني شبابٌ من حضن أمي، وينزلوني من سيارةِ العائلة، ويعتدون على السائق.. أهؤلاء شبابك؟.. تفو!!»
 
ثم لا شيء، صمتٌ أعنف من ضوضاءِ محرك نفاثةٍ بوسط طبلة الإذن.. قـُفِلـَتْ السمّاعة. وما بقي يرنّ في سمعي كصدى صديديٍّ : «أنت المسئول.. أنت المسئول..» رحماك يا مدبِّرَ الأكوان.. رحماك.
 
ثم تأتيني رسائلٌ ومكالماتٌ عن الشغب الذي جرى بالخبر في يوم العيد الوطني.. وأن الشبابَ كانوا بالمئات ومن قال بالآلاف، وأنهم خدَشوا وجه المدينة بالأمواس والماء الحارق.. خدشوا جسد حورية البحر الهادئة التي تجاور الخليج بأناقة ومسالمة.. من يعتدي على حورية؟ أنا المسئول؟! فليكن. فالبنتُ هي التي قدّمتْ الثمنَ، وكان يجب أن تصبّ جامَ غضبـِها وقهرها وإحباطها على أقرب من تصل إليه. ولا يمكنني إلا أن أشعرَ بالخجل وبالعار.. على أن هذا لا يفيدها في شيء.
 
يقول لي الشابُ الخبَري: «القضية عبارة عن خلل بالتقدير فانفلتتْ الهستيريا من لجامها، فنحن لم يعلمنا أحدٌ ثقافة الاحتفال.. ولا مكان فسيح للاحتفالات وتصريف النشاط الفائق خارج المدينة..» لابد أولاً أن نعترف بوجود هذه المشكلة، ونشكل فريقاً عالياً للتحقّق والتحقيق والمعالجة.. فهناك رمادُ تفرقةٍ يرقدُ على نارٍ تزأر للخروج.