هؤلاء الشبابُ غاضبون
سنة النشر : 01/10/2009
الصحيفة : اليوم
.. أقدم اعتذاري أولا لهذه الجريدة. فقد كان متوقعا أن أشارك في الندوة الممتازة التي أقامتها من أجل نقاش حالة الهيجان التي اعتورت بعض الشباب فأعملوا تخريبا في شوارع الخبر وممتلكات الناس.
فقد كانت ظروف جغرافية تحول دون ذلك، وهذه خطوة وطنية تفصح عن تفاعل حقيقي ووطني يهدف للحل أولا وأخيرا. لقد واجهنا تهديدات داخليةً فئويةً نعلمها جميعا، تخطينا بعضها، ومازلنا نواجه بعضاً آخر، لكننا، أبدا، لم نكن بحاجةٍ للمزيد.
ويتضح لأي أمةٍ أن معظم مشاكلها الاجتماعية إنما هي ناشئة عن الخلل في وضع الخطط الاستراتيجية، وفي الطرائق العامة للتفكير. إنها نوع من ضعف الرؤية والكشف المستقبليين، لذا دائما نُباغَت وتفاجئنا الزوابعُ البحرية ونحن بلا طوق نجاة. تفاجئنا الأمطارُ ونحن بلا مظلات تقينا السيل، وتفاجئنا الخطوبُ ونحن آخر ما نفكر فيه أن الخطوبَ ممكنة الحدوث.
وعندما تفلت الأمورُ من عقالها، وتلك العناصر التي ذكرناها لم تنضج نضجا صحيحا، فإن النتائجَ العكسية هي التي تحدث، وكأننا نكبّ لقيماً لتستعرّ النيران! إن ما حدث في الخبر يجب أن نتريث عند التفكير فيه، وأن نضع أنفسَنا مكان هؤلاء الشباب لنبدأ رحلة الفهم.
هؤلاء الشبابُ غاضبون على مجتمعهم لأسبابٍ نعرفها، وهذا الغضب يترجم إرهابا، وفكرا منحرفا، ومنطقا مقلوبا.. يوم كانوا يلغون عبثا في الخبر لا أظن أنهم جُرِّدوا من إنسانيتهم، أو حتى استبد الشيطانُ بأرواحهم.
إنهم يعتقدون أنهم في وسط ساحة نضال، لذا تسمع في الأفلام التي تناقلها الفضاء المعلوماتي كلاما يدور تحميسا لبعضهم البعض، مثل: «والله رجال»، «والنعم كفو! «والله إنك ولد قبيلة وشجاع».. وهكذا.
إنها إسقاطات نفسية لشحنٍ طال في العقول مما يسمعونه مِمَن نسميهم نُخَب المجتمع، من التأجيج في التلفزيون وفي الصحف.. من التفرقة في صفّ الأمةِ الواحد، والآن يذرّ علينا قرن تفرقة جديد.
إنها تفرقة المدن، ولو قرأت التعليقات التي دارت بين الشباب من الجهتين وحتى من الفتيات لأُدْمِيَ قلبُك.. وغُمّ عليك.. وصرختَ في هذه الأمة : «قفي يا أمتي قفي، إلى أين نحن منحدرون؟» عقاب الشباب يجب أن يكون صارما ومقنّنا، لكن ليس انتقاما ولا تنفيثا لحقدٍ وغضب .
عقابٌ صارمٌ عادلٌ ينفعهم وينفع الأمة.. كأن يخرج المخربون ويصلحون بأياديهم ما خربوه، وأن يؤدوا عملاً ميدانيا عاما كتنظيف الشوارع والحدائق نهارا لساعات محسوبة وتحت الرقابة.. هذا هو التأديبُ الإيجابي. على أن المشكلة في الخبر كان الخدش الذي حكّ سطحا غامضا صلِداً كتيما.
هذا ما يجب أن نلبس له عدة الغوص للكشف عن أعماقه وإصلاح بنيانه من أساساته، وليس سنّ العقاب دون أن نعلم ما يدور من حمم داخل سطح نعيش عليه كلنا، ونظن أنه ساكنٌ، وهو يهدر هديرا تسمعه آفاقُ الأرض.
في رأيي أن الشبابَ كشفوا لنا ـ دون أن يعلموا ـ أن النضالَ يجب أن يكون داخل عمق المجتمع.. حتى لا ينهار على الجميع. إن النخرَ في الداخل هو العدو الأول غير المرئي. واسأل النخلة .. عندما تقعُ غباراً هشيماً على الأرض!