لسنا محلـّفين ولا محامين
سنة النشر : 24/10/2009
الصحيفة : اليوم
.. سأل الأستاذُ «محمد البكر» أسئلة يستنكر بها أن يُطلبَ الصمتُ من جريدتِهِ، وربما من الكُتـّاب، إن تعرضوا لفضح أخطاء – أو ما يعتقدون أنه أخطاء- في الشأن العام. وهي أسئلة مشروعةٌ جداً، طـُرِحَتْ بروحٍ حريصة.
وقد لا يتلقـّى البكرُ أجوبةً على أسئلته، لأن الذي يجري الآن نوعٌ من النقاش بين طرفين، وكلٌّ منهما يقف على حافةِ مرتفع وتفصل بينهما هوةٌ عميقة.. وفضاء. وفي هذه الحالة السريالية لن يكون هناك أي نوع من التواصل الإيجابي.. وستبقى أسئلةٌ مثل تلك تدور في الفضاءِ، من الفضاءِ، للفضاء.. نحن في حاجةٍ أن نجيب عن أسئلةٍ مثل تلك لأنها تصبّ في الأهداف التي أقيمت من أجلها الإداراتُ والمؤسساتُ الرسمية بكلّ أشكالها، وغير الرسمية كالجريدة التي يشرف فيها السيد البكر.. الأهدافُ التي تنفع البلادَ والناس.
إن لم يتم الإجابة عن تلك الأسئلة فهذا خطأ جسيم. وإن تمت المراوغةُ في الأجوبةِ فهذا خطأ جسيم، وإن لم تُعرف الأجوبة فهو خطأ أيضا جسيم. يجب أن نجدَ حلاًّ.. لأن أمّةً لا يتحاور أطرافُها أُمّةٌ مهددةٌ بالضمور. ولكن للحوارِ أيضا آلية وشروط. حينما نتحاور يجب أن نزيل من حوارنا التـُهَم الصريحة، مادمنا لسنا قضاة ولسنا محلـّفين ولا محامين، فنحن ناسٌ عاديون نطالب بحقوقٍ مشروعةٍ.
و «المسئولُ» صفة ظرفية وليس صفة لازمة، بمعنى أن المسئولَ في وزارة الصحةِ، يكون مجرد مواطنٍ وهو يريد خدماتٍ بلدية، ومسئولُ البلديةِ يبقى مواطناً وهو يطلب حقَّ الاستشفاءِ من وزارة الصحة.. إذن «المسئولية» صفة ظرفية، و «المواطنة» صفة لازمة.. الذي نتحاور على أرضها الآن هي الصفة الظرفية وليست الصفة اللازمة.
لو جلسنا وتناقشنا، بشكلٍ خاص، أو بشكلٍ علني، يجب أن نجرّد المسئولَ من مسئوليته ونحاوره من أرضيةِ المواطنة، من أرضية الحق العام، وعليه أن ينظر إلى الرأي الصحفي لا بصفة المنتقد، أو كأشخاص يحملون أجندة خاصة، أو من الذين لا يرون العملَ الناجحَ، ويلتفتون لصغائر الأعمال، وإلا سنكون بأفضل الحالات كمن يتحاوران على جرفين بينهم الفضاء.. وبالحقيقة التي بلا قناع؛ أننا ندخل الحوارَ كالأعداءِ ونخرج أعداءً فعلا.
فلنرفع أقنعة الصفةِ الظرفية، ما يجب أن يكون ليس حوار مواطن يواجه مسئولا، ولا العكس.. إنما مواطنٌ يواجه مواطناً. لم يكن «البكرُ» بطرحهِ الأسئلة يقول إنه لا يخطئ وأن المسئولين يخطئون، فهذا لم يكن همّه، فهو أيضاً موظف مسئول ويعرف ذلك معنىً وتطبيقاً.. ولكنه يُضْمِر أنه مواطن، ويرى أن من حقّ المواطنةِ عليه أن تسير الأمورُ على ما يرام.. أو أن هناك خطأ، والخطأ يجب أن يقوَّم.. من واقع المواطنةِ والحقيقة المُثبتة، لا للتعريض بالمسئول لكونه مسئولا.. لو تم هذا الفهمُ، لرفـَع كل مسئولٍ الهاتفَ وتحدث مع البكر، وقال له: «أشكرك يا أخي، فأسئلتك بعضها وقع في مدار مسئوليتي، وسأكون مسروراً للتحاور معك كمواطنـَيْن، لأن بعض أسئلتك التي طرحتها خارج مدار مسئوليتي أعاني أنا منها كمواطن مثلك وأريد إجابات لها أيضا»..
هنا تتضافر النياتُ، وتتداخل الرؤى، وتمتزج الآراءُ لتصب في القناةِ الصحيحة، وتـُرْفـَع أقنعةٌ حقيقةٌ وأقنعةٌ وهميةٌ ويبقى الوجهُ الصريح الدائم : وجهُ الموطن، وهو الجسرُ الذي سيجعل من وقـَفـَا على ذيْنك الجـِرْفيْن يسيران ليلتقيا.. ويبدأ حوارٌ يُستـَهـََلُّ بهزِّ اليدِ بالسلام بحرارة.