سايتك
سنة النشر : 29/10/2009
الصحيفة : اليوم
.. إنه شعورٌ غريبٌ وصفُهُ، كما تصف سجادةً عجمية بها الزخرفُ المنمَّق والجهدُ الإنساني المنقطع، نُسجتْ من حرير، ولكن الأيادي التي نسجتها سهِرَتْ سنينا، وضاعتْ أجزاء من بواكير حياتِها في العمل المضني مفتقدةً روح ومرح العمرِ الأول.
ولا تعلم هل أنت تنسحرُ بالجمال فتبتهج؟ أم تنطوي على بعضِك وتعصرُ حزمة أعصابِك وتبكي؟.. كأنك بعربةٍ يجرها جوادان كل منهما في الجهةِ المضادة.. هذا ما شعرنا به ونحن حضورٌ في استضافة معدّي «برنامج أمهات وأهالي ضحايا حوداث السيارات».
وأظن أن هذا البرنامج بفكرتِهِ، وهدفِهِ، وغرضِهِ، ومبعثِهِ، سيكون واحداً من أقوى برامج التوعية المرورية أثراً وتأثيرا.. أن من يتحدثن، ومن يشاركن، هنّ من فقدن أعزّ الناس إليهن، فوقفنَ على أحزانهن، واستشرفنَ مرتفعَ الأمل رغم الألم، ليكن مرشداتٍ لسبُل السلامةِ تحذيراً عن مسالك الموت.
رحَلَ من أحببن، ويبذلن ويعملن من أجل ألا يفقد الآخرون أحبابَهم.. وما سماه من هدفٍ: أن يكون الموتُ انبعاثاً، وأن تكون لحظةٌ مؤلمة وعياً مفيدا، أن يكون فقدانُ الحياةِ استقبالاً لمبرراتِ الحياة.
لابد أن تكون لي وقفة مع المشروع من ناحية آليته وبرنامجه ومغزاه وجدواه، والبرنامج هو السجادة الجميلة الموشاة بخيوط الحرير، ولكن الوقفة اليوم مع الأياي التي تحيك للناظرين لوحة من أجمل لوحات الحياة.
نبتت الفكرةُ في رأسَيْ الأستاذة سامية البواردي، والأستاذة نورة العفالق، فهما من ابتدأ تخيل سجادة الحياة، وتحويل الذكرى الماضية إلى ذاكرةٍ حاضرة، وتفعيل آليتها في ذهنيهما، ولما اكتملت في هويتها الأولى رأيا أن ينضويا تحت مظلةِ لجنة التنمية الاجتماعية بالثقبة التي تبنت البرنامج وتحمّستْ له.
إن هاتين المرأتين فكرتا في خاطرةٍ ما أن يقدما شيئا نافعا للناس، وكان الله معهما لتصير الخاطرةُ شمساً ستشرق وعداً وسلامة بإذن الله في طرقات البلاد. وهما تكتبان، بلا قصدٍ مسبقٍ، تاريخا لهما وتاريخا لبرنامجهما وسيأتي يومٌ نقول، إذا شاء المولى، وتاريخ تحقيق آمالهما بإزالة تهديدٍ مرعبٍ اسمه: الموتُ على الطرقات.
وقلبي مغمورٌ بالامتنان لشركة أرامكو ببرنامجها للسلامة في تبنيها رعاية البرنامج، وأرامكو تثبت يوماً وراء يوم فلسفة وبرنامجاً بازغين في التعامل والانفتاح المجتمعي فقرُبَتْ للناس حتى كادت تُلمس.
ولم يكن الأستاذ «محمد الوعيل» إلا داعما بالإصرار في الحضور بشخصِهِ، وكان بإمكانه المساندة في التغطيةِ بدون شرط الحضور، وصل هذا للعاملات كتيارٍ حماسي جعلهن يطرحن الآراءَ وهو يساند ويعد بكل ما يستطيع.
نشكر «سايتك» هذا التكوين المؤسسي العلمي الذي لم يأخذ مداه ولا حقّه بعد في استضافة وترتيب وإدارة موقع البرنامج.. وأستأنف إعجاباً متواصلاً بالأستاذين خالد محمد الزامل، وخالد فهد الحازمي، على جهدٍ وتبنٍّ من واقع الاقتناع والحماسةِ قبل الصفةِ التمثيليةِ والوظيفيةِ.
ولقد قدّمت لي الأستاذة «عفاف القحطاني» واحدةً من دعوات العمر وهي تتابع وأنا أتثاقل، وبجهدها الذي أجمع عليه الجمعُ من زميلاتها في اللجنة، والشابة التي فاجأتنا باستيعابها وشرحها للقضايا الدقيقة المرورية توعويا (درّبَت نفسها فقط قبل البرنامج!) الأستاذة «هبة المزيد»، كما أُشيرَ مراتٍ لجهود كبيرة للأستاذة «هند الدبيكل».. وبقيت أسماءٌ كبرى لامعة ومعروفة.
إن برنامجاً كهذا وُجِدَ ليحيا، أو أنه يجب أن يحيا.. من أجلنا كلنا، ومن أجل وطننا، وقبل كل ذلك من أجل مُهَجنا التي غيبتها الطرقُ عنا أبديا، لكي يكون لفراقهم الحادّ الألمِ معنىً وقيمةً وبقاءً.. وحياة.